سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١ - خامسا الفوارق العميقة بين النبوة و العبقرية
و إنّ أي قدر من الموهبة الإلهية التي توصف بها العبقرية يختلف اختلافا واضحا عن النبوة.
و بالرغم من الاختلاف في فهم العبقرية و بين كتابات العشرات من الباحثين الغربيين فإنّ أحدا لا في الغرب و لا في الشرق أدخل النبوة و الأنبياء في هذه الدائرة. و لكن يبدو أنّ الأستاذ العقاد أراد أن يتفوق على صاحبيه (هيكل و طه) و قد سبقاه بعشر سنوات في كتابة السيرة باتخاذ هذا المصطلح.
يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي: يجب أن يقرأ للعقاد باحتياط و هو يكتب عن الإسلام فالعقاد ابن العصر الحديث أخذ ثقافته مما قرأ لأدبائه و علمائه و هو شيء كثير و ليس كل ما كتبه المستشرق يقبله المسلم و لا كل نظريات الغرب متفق و ما قرره القرآن. و لكن العقاد اعتقد من هذه النظريات ما اعتقد، فهو ينظر إلى القرآن من خلال ما اعتقد منها و يبدو أن من بين ما اعتقده العقاد نظرية (فريزر) في نشوء الأديان فهي عنده ليست سماوية و لكنها أرضية نشأت بالتطور و الترقي إلى الأحسن، و من هنا تفضيل العقاد للإسلام على غيره من الأديان فهو آخرها و إذن فهو خيرها و يقول: إن لم يكن هذا هو تفسير إطلاق أسميه الغربيين على كتابيه (عبقرية محمد، و الفلسفة القرآنية) فهذه التسمية خطأ منه ينبغي أن يتنبه إليه قارئ الكتابين من المسلمين لينجو ما أمكن مما توحي به التسميات من أن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) عبقري من العباقرة لا نبي و لا رسول بالمعنى الديني المعروف في الأديان المنزلة. و يؤكد هذا الإيحاء أن جاء الكتاب واحدا من سلسلة كتب العبقريات الإسلامية و لن يكون أولها. فالناشئ الذي يقرأ بعد عبقرية محمد عبقرية أبي بكر و عبقرية عمر مثلا لا يمكن أن يسلم من إيحاء خفي إلى نفسه أنّ محمدا و أبا بكر و عمر من قبيل واحد، عبقري من عباقرة و إن يكن أكبرهم جميعا. كالذي سمى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بطل الأبطال فأوهم أنه واحد من صنف ممتاز من الناس متجدد على العصور بدلا من صنف اختتم به (صلّى اللّه عليه و سلم) صنف الأنبياء و المرسلين من عند اللّه فالنبي و الرسول يأتيه الملك من عند اللّه بما شاء اللّه من وحي و من كتاب. و لا كذلك العبقري و لا البطل. فالنبوة و الرسالة فوق البطولة و العبقرية بكثير. و كم في الصحابة (رضوان اللّه عليهم) من بطل و من عبقري و كلهم يدين له (صلّى اللّه عليه و سلم) بأنه رسول اللّه إلى الناس كافة ذلك العصر و ما بعده و أنه خاتم النبيين.
و يقول الأستاذ غازي التوبة: كتب العقاد العبقريات دفاعا عن العظمة الإنسانية في وجه المتطاولين و الحاقدين و المشوهين. هذه العظمة الإنسانية التي تحتاج إلى رد الاعتبار في عصره و دفاع العقاد عن العظمة الإنسانية هي حلقة من دفاعه عن الفرد و إيمانه به. و لكن ما هي