مختصر تفسير البغوي المسمي بمعالم التنزيل - عبد الله الزيد - الصفحة ٤٩٨
حَكَمًا فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ قَالَ: صَدَقَ أُولَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ. وَقَوْلُهُ: {عِضِينَ} [الحجر: ٩١] قِيلَ: هُوَ جَمْعُ عُضْوٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً، إِذَا فَرَّقْتُهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِهَانَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ عِضَةٍ. يُقَالُ: عِضَةٌ وَعِضِينُ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَعِزَةٍ وَعِزِينَ، وَأَصْلُهَا عِضْهَةٌ ذَهَبَتْ هَاؤُهَا الْأَصْلِيَّةُ كَمَا نَقَصُوا مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ شُفَيْهَةً، وَالْمُرَادُ بِالْعِضَةِ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِضِينَ الْعِضَهُ وَهُوَ السِّحْرُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْقُرْآنَ سحرا.
[٩٢] {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: ٩٢] يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[٩٣] {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: ٩٣] فِي الدُّنْيَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: ٣٩] قيل: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عَمِلْتُمْ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يَقُولُ: لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ وَاعْتَمَدَهُ قُطْرُبُ فَقَالَ: السُّؤَالُ ضَرْبَانِ: سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ وَسُؤَالُ تَوْبِيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرَّحْمَنِ: ٣٩] يَعْنِي: اسْتِعْلَامًا. وَقَوْلُهُ: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: ٩٢] يَعْنِي: تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَتَيْنِ: إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ فيه مواقف مختلفة يُسْأَلُونَ فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ وَلَا يسألون في بعضها، نظير ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} [الْمُرْسَلَاتِ: ٣٥] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: ٣١]
[٩٤] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: ٩٤] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَظْهِرْهُ. وَيُرْوَى عَنْهُ: أَمْضِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَعْلِمْ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: افْرُقْ، أَيِ: افْرُقْ بِالْقُرْآنِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: اقْضِ بِمَا تُؤْمَرُ، وَأَصْلُ الصَّدْعِ الْفَصْلُ وَالْفَرْقُ، أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: كَانَ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: ٩٤] نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ.
[٩٥] {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: ٩٥] يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاصْدَعْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا تَخَفْ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ مَنْ عَادَاكَ كَمَا كَفَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ - وَكَانَ رَأْسَهُمْ- وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ زَمْعَةَ، وَالْأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الطلاطلة.
[٩٦] {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: ٩٦] وَقِيلَ: اسْتِهْزَاؤُهُمْ وَاقْتِسَامُهُمْ هُوَ أَنَّ الله لَمَّا أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةَ النَّحْلِ وَسُورَةَ النَّمْلِ وَسُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ، كَانُوا يَجْتَمِعُونَ وَيَقُولُونَ استهزاء يقول هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَيَقُولُ هَذَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَيَقُولُ هَذَا فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ.
[٩٧] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: ٩٧]
[٩٨] {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الحجر: ٩٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَلِّ بِأَمْرِ ربك، {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: ٩٨] مِنَ الْمُصَلِّينَ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، يعني: من الْمُصَلِّينَ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمَرٌّ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ» [١] .
[٩٩] {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩] أي
[١] أخرجه أبو داود في الصلاة ٢ / ٩٤ والإمام أحمد في المسند ٥ / ٣٨٨ والمصنف في شرح السنة ٤ / ١٥٥ وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة ١ / ٤١٦.