تفسير القرطبي - القرطبي، شمس الدين - الصفحة ٣٨٨
الْعَاتِي الْمُتَمَرِّدُ، فَعِيلٌ مِنْ مَرَدَ إِذَا عَتَا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمَرِيدُ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ مَرَدَ الرَّجُلُ يَمْرَدُ مُرُودًا إِذَا عَتَا وَخَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، فَهُوَ مَارِدٌ وَمَرِيدٌ وَمُتَمَرِّدٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ الَّذِي ظَهَرَ شَرُّهُ، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: شَجَرَةٌ مَرْدَاءُ إِذَا تَسَاقَطَ وَرَقُهَا فَظَهَرَتْ عيد انها، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ: أَمْرَدُ، أَيْ ظَاهِرُ مَكَانِ الشعر من عارضيه.
[سورة النساء [٤]: آية ١١٨]
لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَعَنَهُ اللَّهُ) أَصْلُ اللَّعْنِ الْإِبْعَادُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [١]. وَهُوَ فِي الْعُرْفِ إِبْعَادٌ مقترن بسخط وغضب، فلعنة [الله على [٢]] إِبْلِيسَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى التَّعْيِينِ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ [سَائِرُ [٣]] الْكَفَرَةِ الْمَوْتَى كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأَبِي جَهْلٍ، فَأَمَّا الْأَحْيَاءُ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي (الْبَقَرَةِ [٤]). قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) أَيْ وَقَالَ الشَّيْطَانُ، وَالْمَعْنَى: لَأَسْتَخْلِصَنَّهُمْ بِغِوَايَتِي وَأُضِلَّنَّهُمْ بِإِضْلَالِي، وَهُمُ الْكَفَرَةُ وَالْعُصَاةُ. وَفِي الْخَبَرِ (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ لِلَّهِ وَالْبَاقِي لِلشَّيْطَانِ). قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْنًى، يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِآدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ) فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ فَيَقُولُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ (. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَبَعْثُ النَّارِ هُوَ نَصِيبُ الشَّيْطَانِ. وَاللَّهُ أَعْلُمُ. وَقِيلَ: مِنَ النَّصِيبِ طَاعَتُهُمْ إِيَّاهُ فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَ لِلْمَوْلُودِ مِسْمَارًا عِنْدَ وِلَادَتِهِ، وَدَوَرَانِهِمْ بِهِ يَوْمَ أُسْبُوعِهِ، يَقُولُونَ: لِيَعْرِفَهُ العمار [٥].
[سورة النساء [٤]: آية ١١٩]
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)
[١] راجع ج ٢ ص ٢٥.
[٢] من ط.
[٣] من ج وط
[٤] راجع ج ٢ ص ١٨٨.
[٥] عمار البيوت: سكانها من الجن. وفى ابن عطية: المفروض معناه في هذا الموضع: المنحاز، من الفرض وهو الحز في العود وغيره.