تفسير القرطبي - القرطبي، شمس الدين - الصفحة ١٩٦
أَمْوَالُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهَا، وَبِهَا تَكَامَلَتْ رئاسة عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لِأَنَّهُ احْتَمَلَ مَا شَاءَ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ أَهْلُ مَكَّةَ بَعْدَهُ وَنَهَبُوا. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ حَفَرَ حُفْرَتَيْنِ فَمَلَأَهُمَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ- وَكَانَ خَلِيلًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ-: اخْتَرْ أَيّهمَا شِئْتَ. ثُمَّ أَصَابَ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى ضَاقُوا ذَرْعًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ ذَلِكَ:
أَنْتَ مَنَعْتَ الْحَبَشَ [١] وَالْأَفْيَالَا ... وَقَدْ رَعَوْا بمكة الا جبالا «٢»
وَقَدْ خَشِينَا مِنْهُمُ الْقِتَالَا ... وَكُلُّ أَمْرٍ لَهُمُ [٣] مِعْضَالَا
شُكْرًا وَحَمْدًا لَكَ ذَا الْجَلَالَا «٤»
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ عَظَّمَتِ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: [هُمْ [٥]] أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوِّهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ:
أَنْتَ الْجَلِيلُ رَبَّنَا لَمْ تَدْنِسِ ... أَنْتَ حَبَسْتَ الْفِيلَ بِالْمُغَمِّسِ
مِنْ بَعْدِ مَا هَمَّ بِشَرٍّ مُبْلِسِ ... حَبَسْتَهُ فِي هَيْئَةِ الْمُكَرْكَسِ
وَمَا لَهُمْ مِنْ فَرَجٍ وَمَنْفَسِ
والمكركس: المنكوس المطروح.
[سورة الفيل (١٠٥): آية ٣]
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣)
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ طَيْرًا مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يُرَ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا مِثْلُهَا. وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [إِنَّهَا طَيْرٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تُعَشِّشُ وَتُفَرِّخُ [. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ لَهَا خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الطَّيْرِ، وَأَكُفٍّ كَأَكُفِّ الْكِلَابِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا، خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، لَهَا رُءُوسٌ كَرُءُوسِ السِّبَاعِ. وَلَمْ تُرَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: هِيَ أَشْبَهُ شي بِالْخَطَاطِيفِ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ أَشْبَاهُ الْوَطَاوِيطِ، حَمْرَاءُ وسوداء. وعن
[١] الظاهر أنه جمع (أحبش) بوزن أحمر، وإن لم ينطقوا به. قال في تاج العروس: كأنه جمع أحبش (بوزن أحمر).
(٢). في روح المعاني، (الاحبالا) بالحاء.
[٣] في روح المعاني (منهم) بدل (لهم).
(٤). كذا في نسخ الأصل وغيرها من المصادر.
[٥] زيادة عن سيرة ابن هشام.