تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٤٦
القول في تأويل قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم"، يقول: أقرُّوا بذنوبهم = (خلطوا عملا صالحًا) ، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها، والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خرج غازيًا، وتركهم الجهادَ مع المسلمين.
* * *
فإن قال قائل: وكيف قيل: (خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا) ، وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.
فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون "بآخر"، [١] كما تقول "استوى الماء والخشبة"، أي: بالخشبة، "وخلطت الماء واللبن".
وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم [٢] "استوى الماء والخشبة". واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في "الخلط" عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم "الخشبة" على "الماء" غير جائز في قولهم: "استوى الماء والخشبة"، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك "الخلطَ". [٣]
[١] لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر، وهو ظاهر لمن تأمل. وانظر التعليق التالي.
[٢] الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها، ولكنه كان فيها " آخرون ". أما المخطوطة ففيها: " وأنكر أن يكون نظير قولهم. . . "، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام. وانظر التعليق التالي.
[٣] في المطبوعة: " دليلا عندهم "، وأثبت ما في المخطوطة، ولكن الناشر الأول غيره، لما وضع " آخرون " من عند نفسه. انظر التعليق السالف.
هذا، وقد تركت الكلام على حاله، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر.