الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل - الزمخشري - الصفحة ٢٧١
اثَّاقَلْتُمْ تثاقلتم. وبه قرأ الأعمش، أى تباطأتم وتقاعستم. وضمن معنى الميل والإخلاد فعدى بإلى. والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم: وقرئ اثاقلتم؟ على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ. فإن قلت: فما العامل في «إذا» وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه [١] ؟ قلت: ما دلّ عليه قوله اثَّاقَلْتُمْ أو ما في ما لَكُمْ من معنى الفعل، كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت: مالك قائماً، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو، فشق عليهم. وقيل: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك [٢] ليستعدّ الناس تمام العدة مِنَ الْآخِرَةِ أى بدل الآخرة كقوله: لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
. فِي الْآخِرَةِ في جنب الآخرة إِلَّا تَنْفِرُوا سخط عظيم على المتثاقلين [٣] حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيراً منهم وأطوع، وأنه غنى عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئاً: وقيل: الضمير للرسول: أى ولا تضروه، لأنّ الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، وقيل يريد بقوله قَوْماً غَيْرَكُمْ أهل اليمن. وقيل: أبناء فارس، والظاهر مستغن عن
[١] قوله «وحرف الاستفهام» لعله: وأحرف الاستفهام، بدليل قوله «مانعة» . وقوله «أن يعمل فيه» لعله: أن يعمل فيه «اثاقلتم» . (ع)
[٢] متفق عليه من حديث كعب بن مالك.
[٣] قال محمود: «في هذه الآية سخط عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم عذابا أليما ... الخ» قال أحمد: ويقرب إعادة الضمير إلى الرسول أن الضمير في قوله إِلَّا تَنْصُرُوهُ عقيب ذلك عائد إليه اتفاقا، والله أعلم.