التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٥١
وَاعْلَمْ أَنَّهَا لَمَّا أَظْهَرَتْ عُذْرَهَا عِنْدَ النِّسْوَةِ فِي شِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لَهُ كَشَفَتْ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَقَالَتْ: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ بَرِيئًا عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ، وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَاسْتَعْصَمَ بَعْدَ حَلِّ السَّرَاوِيلِ وَمَا الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى إِلْحَاقِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْفَاسِدَةِ الْبَاطِلَةِ بِنَصِّ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ وَالْمُرَادُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْ لَمْ يُوَافِقْهَا عَلَى مُرَادِهَا يُوقَعُ فِي السِّجْنِ وَفِي الصَّغَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوَعُّدَ بِالصَّغَارِ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ رَفِيعَ النَّفْسِ عَظِيمَ الْخَطَرِ مِثْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السلام، وقوله: وَلَيَكُوناً كَانَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَقِفَانِ عَلَى وَلَيَكُوناً بِالْأَلِفِ، وكذلك قوله: لَنَسْفَعاً [العلق: ١٥] واللَّه أعلم.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا قَالَتْ: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢] وَسَائِرُ النِّسْوَةِ سَمِعْنَ هَذَا التَّهْدِيدَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ اجْتَمَعْنَ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقُلْنَ لَا مَصْلَحَةَ لَكَ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِهَا/ وَإِلَّا وَقَعْتَ فِي السِّجْنِ وَفِي الصَّغَارِ فَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ فِي حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْوَاعٌ مِنَ الْوَسْوَسَةِ:
أَحَدُهَا: أَنَّ زَلِيخَا كَانَتْ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ مَالٍ وَثَرْوَةٍ، وَكَانَتْ عَلَى عَزْمٍ أَنْ تَبْذُلَ الْكُلَّ لِيُوسُفَ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُسَاعِدَهَا عَلَى مَطْلُوبِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ النِّسْوَةَ اجْتَمَعْنَ عَلَيْهِ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَتْ تُرَغِّبُهُ وَتُخَوِّفُهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَمَكْرُ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ شَدِيدٌ، وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ خَائِفًا مِنْ شَرِّهَا وَإِقْدَامِهَا عَلَى قَتْلِهِ وَإِهْلَاكِهِ، فَاجْتَمَعَ فِي حَقِّ يُوسُفَ جَمِيعُ جِهَاتِ التَّرْغِيبِ عَلَى مُوَافَقَتِهَا وَجَمِيعُ جِهَاتِ التَّخْوِيفِ عَلَى مُخَالَفَتِهَا، فَخَافَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ تُؤَثِّرَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْقَوِيَّةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَشَرِيَّةَ وَالطَّاقَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لَا تَفِي بِحُصُولِ هَذِهِ الْعِصْمَةِ الْقَوِيَّةِ، فَعِنْدَ هَذَا الْتَجَأَ إِلَى اللَّه تَعَالَى وَقَالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَقُرِئَ السَّجْنُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَفِيهِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: السِّجْنُ فِي غَايَةِ الْمَكْرُوهِيَّةِ، وَمَا دَعَوْنَهُ إِلَيْهِ فِي غَايَةِ الْمَطْلُوبِيَّةِ، فَكَيْفَ قَالَ: الْمَشَقَّةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللَّذَّةِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ كَانَتْ تَسْتَعْقِبُ آلَامًا عَظِيمَةً، وَهِيَ الذَّمُّ فِي الدُّنْيَا وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ السِّجْنِ كَانَ يَسْتَعْقِبُ سَعَادَاتٍ عَظِيمَةً، وَهِيَ الْمَدْحَ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابَ الدَّائِمَ فِي الْآخِرَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ حَبْسَهُمْ لَهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّ الزِّنَا مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحِبَّ السِّجْنَ مَعَ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.
وَالْجَوَابُ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْتِزَامِ أَحَدِ الأمرين أعني الزنا والسجن، فَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ