تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٢٩٦
يَعْنِي إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ، {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} يَعْنِي: وَرَضِيَ قَوْلَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَعْنِي: قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [١] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) }
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ، أَيْ يَعْلَمُ اللَّهُ {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} مَا قَدَّمُوا {وَمَا خَلْفَهُمْ} وَمَا خَلَّفُوا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} مِنَ الْآخِرَةِ {وَمَا خَلْفَهُمْ} مِنَ الْأَعْمَالِ.
{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} قِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى "مَا" أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ. وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ عِبَادَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا. {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} ذَلَّتْ [٢] وَخَضَعَتْ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ: عَانٍ. وَقَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: هُوَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَالظُّلْمُ هُوَ الشِّرْكُ. {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "فَلَا يَخَفْ " مَجْزُومًا عَلَى النَّهْيِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {فَلَا يَخَافُ} مَرْفُوعًا عَلَى الْخَبَرِ، {ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَخَافُ أن يزاد على فِي سَيِّئَاتِهِ، لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ مُسِيْءٍ [٣] .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُؤْخَذُ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْمَلْهُ وَلَا تُبْطَلُ حَسَنَةٌ عَمِلَهَا [٤] وَأَصِلُ الْهَضْمِ: النَّقْصُ وَالْكَسْرُ، وَمِنْهُ هَضْمُ الطَّعَامِ.
[١] انظر: روح المعاني: ١٦ / ٢٦٥، البحر المحيط: ٦ / ٢٨٠.
[٢] زيادة من "ب".
[٣] ذكره القولين ابن جرير ١٦ / ٢١٨، وأخرج السيوطي قول ابن عباس عن ابن المنذر وابن أبي حاتم، الدر المنثور: ٥ / ٦٠١.
[٤] انظر: زاد المسير: ٥ / ٣٢٤.