تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ١٩٧
{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أَيْ بِاخْتِيَارِي وَرَأْيِي بَلْ فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} أَيْ لَمْ تُطِقْ عَلَيْهِ صَبْرًا وَ"اسْتَطَاعَ" وَ"اسْطَاعَ" بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
رُوِيَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ قَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَطْلُبِ الْعِلْمَ لِتُحَدِّثَ بِهِ وَاطْلُبْهُ لِتَعْمَلَ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْخَضِرَ حَيٌّ أَمْ مَيِّتٌ [١] ؟ قِيلَ: إِنَّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ حَيَّانِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ سَنَةٍ بِالْمَوْسِمِ [٢] . وَكَانَ سَبَبُ حَيَاتِهِ فِيمَا يُحْكَى أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ عَيْنِ الْحَيَاةِ وَذَلِكَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ دَخَلَ الظُّلُمَاتِ لِطَلَبِ عَيْنِ الْحَيَاةِ. وَكَانَ الْخَضِرُ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ فَوَقَعَ الْخَضِرُ عَلَى الْعَيْنِ فَنَزَلَ وَاغْتَسَلَ وَتَوَضَّأَ [٣] وَشَرِبَ وَصَلَّى شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْطَأَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الطَّرِيقَ فَعَادَ [٤] .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ" (الْأَنْبِيَاءِ-٣٤) .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا صَلَّى الْعَشَاءَ لَيْلَةً: "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ حَيٌّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" [٥] . وَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا لَكَانَ لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ".
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) }
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} خَبَرًا وَاخْتَلَفُوا فِي نُبُوَّتِهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَبِيًّا [٦] .
[وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَكَانَ نَبِيًّا] [٧] أَمْ مَلِكًا؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلِكًا وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا أَحَبَّ اللَّهَ وَأَحَبَّهُ اللَّهُ، نَاصَحَ اللَّهَ فَنَاصَحَهُ اللَّهُ [٨] .
[١] انظر فيما سبق التعليق على الآية (٦٥) من السورة.
[٢] خبر ضعيف. انظر: الزهر النضر لابن حجر: ٢ / ٢٠١ (مجموعة الرسائل المنيرية) .
[٣] زيادة من "ب".
[٤] المرجع السابق: ٢ / ٢٠٠-٢٠١، وانظر: ابن كثير: ٣ / ١٠١، وأشار إلى ضعف القصة من رواية الطبري بنحوه، القرطبي: ١١ / ٤١ وقال: هذه الروايات كلها لا تقوم على ساق.
[٥] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء: ٢ / ٧٣-٧٤، ومسلم في فضائل الصحابة، باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة" برقم (٢٥٣٧) : ٤ / ١٩٦٥، والمصنف في شرح السنة: ٢ / ١٩٢-١٩٣. وانظر: الزهر النضر لابن الحجر: ٢ / ٢٠٥-٢٠٧ (مجموعة الرسائل المنيرية) قال ابن عمر رضي الله عنهما -في الرواية نفسها: "فوهل الناس من مقالة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، يريد بذلك: أن ينخرم ذلك القرن" أي: ينقطع وينقضي.
[٦] قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. انظر: زاد المسير: ٥ / ١٨٤، البداية والنهاية: ٢ / ١٠٣.
[٧] ما بين القوسين ساقط من "ب".
[٨] انظر: الطبري: ١٦ / ٨.