تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٧٧
{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) } .
يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَنَهَيْنَاكَ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ، مِمَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ لِتَأْمُرَ بِهِ النَّاسَ.
{وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا} أَيْ: تَلُومُكَ نَفْسُكَ [وَيَلُومُكَ اللَّهُ] [١] وَالْخَلْقُ. {مَدْحُورًا} . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَطْرُودًا.
وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ الْأُمَّةُ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعْصُومٌ.
{أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا (٤٠) } .
يَقُولُ تَعَالَى رَادًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْكَاذِبِينَ [٢] الزَّاعِمِينَ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ -أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بناتُ اللَّهِ، فَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ، ثُمَّ عَبَدُوهُمْ فَأَخْطَئُوا فِي كُلٍّ مِنَ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ [٣] خَطَأً عَظِيمًا، قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ} أَيْ: خَصَّصَكُمْ بِالذُّكُورِ {وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا} أَيْ: اخْتَارَ لِنَفْسِهِ عَلَى زَعْمِكُمُ الْبَنَاتِ؟ ثُمَّ شَدَّدَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا} أَيْ: فِي زَعْمِكُمْ لِلَّهِ وَلَدًا، ثُمَّ جعْلكم وَلَدَهُ الْإِنَاثَ الَّتِي تَأْنَفُونَ [٤] أَنْ يَكُنّ لَكُمْ، وَرُبَّمَا قتلتموهُن بِالْوَأْدِ، فَتِلْكَ إِذًا قسْمة ضِيزَى. وَقَالَ [اللَّهُ] [٥] تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مَرْيَمَ: ٨٨ -٩٥] .
[١] زيادة من ت، ف، أ.
[٢] في ف: "المكذبين".
[٣] في ت، ف: "الثلاث المقامات".
[٤] في ت: "تألفون".
[٥] زيادة من ف.