تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢١٥
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {عِتِيًّا} بِمَعْنَى: نُحُولِ [١] الْعَظْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: {عِتِيًّا} يَعْنِي: الْكِبَرَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنَ الْكِبَرِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا حُصَيْن، عَنْ عِكْرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ السُّنَّةَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَمْ لَا؟ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} أَوْ "عِسِيًّا".
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُرَيْج [٢] بْنِ النُّعْمَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ، بِهِ.
{قَالَ} أَيِ الْمَلَكُ مُجِيبًا لِزَكَرِيَّا عَمَّا اسْتَعْجَبَ مِنْهُ: {كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أَيْ: إِيجَادُ الْوَلَدِ مِنْكَ وَمَنْ زَوْجَتِكَ هَذِهِ لَا مِنْ غَيْرِهَا {هَيِّنٌ} أَيْ: يَسِيرٌ سَهْلٌ عَلَى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِمَّا سَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الْإِنْسَانُ: ١]
{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) } .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أَيْ: عَلَامَةً وَدَلِيلًا عَلَى وُجُودِ مَا وَعَدْتَنِي، لِتَسْتَقِرَّ نَفْسِي وَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِمَا وَعَدْتَنِي كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٠] . {قَالَ آيَتُكَ} أَيْ: عَلَامَتُكَ {أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} أَيْ: أَنْ تَحْبِسَ [٣] لِسَانَكَ عَنِ الْكَلَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَنْتَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا عِلَّةٍ [٤]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَوَهْبُ [بْنُ مُنَبِّهٍ] [٥] ، وَالسُّدِّيُّ وقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: اعْتُقِلَ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ يَقْرَأُ وَيُسَبِّحُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُكَلِّمَ قَوْمَهُ إِلَّا إِشَارَةً.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} أَيْ: مُتَتَابِعَاتٍ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَنْهُ وَعَنِ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ [٦] كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [٧] آلِ عِمْرَانَ: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ} [آلِ عِمْرَانَ: ٤١]
[١] في أ: "يعني قحول".
[٢] في ف، أ: "شريح".
[٣] في ف: "تحتبس".
[٤] في أ: "وعلامة".
[٥] زيادة من ت، ف، أ.
[٦] في ف، أ: "واضح".
[٧] زيادة من أ.