تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٣١
أَيْ: هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ عَنِ اللَّهِ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، أَيْ: قَوِيمٌ، مَنِ اتَّبَعَهُ رَشَدَ وَهَدَى، وَمَنْ خَالَفَهُ ضَلَّ وَغَوَى.
وَقَوْلُهُ: {فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} أَيِ: اخْتَلَفَتْ [١] أَقْوَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي عِيسَى بَعْدَ بَيَانِ أَمْرِهِ وَوُضُوحِ حَالِهِ، وَأَنَّهُ عَبْدُهُ [٢] وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فصَمَّمَت طَائِفَةٌ -وَهُمْ جُمْهُورُ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ -عَلَى أَنَّهُ وَلَدُ زنْيَة، وَقَالُوا: كَلَامُهُ هَذَا سِحْرٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّمَا تَكَلَّمَ [٣] اللَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْحَقِّ، الَّذِي أَرْشَدَ اللَّهُ إِلَيْهِ [٤] الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ رُوِيَ [نَحْوُ هَذَا] [٥] عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا [٦] مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} ، قَالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، أَخْرَجَ كُلُّ قَوْمٍ عَالِمَهُمْ، فَامْتَرُوا [٧] فِي عِيسَى حِينَ رُفِعَ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هُوَ اللَّهُ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا، وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ -وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ. فَقَالَ الثَّلَاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قَالَ اثْنَانِ مِنْهُمْ لِلثَّالِثِ: قُلْ [٨] أَنْتَ فِيهِ، قَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ -وَهُمُ الْنَسْطُورِيَّةُ. فَقَالَ الِاثْنَانِ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ. قَالَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ: اللَّهُ إِلَهٌ، وَهُوَ إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ -وَهُمُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مُلُوكُ [٩] النَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. قَالَ الرَّابِعُ: كَذَبْتَ، بَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا قَالُوا، فَاقْتَتَلُوا فظُهِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: ٢١] وَقَالَ [١٠] قَتَادَةُ: وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: {فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} قَالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا [١١]
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ قُسْطَنْطِينَ جَمَعَهُمْ فِي مَحْفَلٍ كَبِيرٍ مِنْ مَجَامِعِهِمُ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَهُمْ، فَكَانَ جَمَاعَةُ الْأَسَاقِفَةِ [١٢] مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَمِائَةً وَسَبْعِينَ أُسْقُفًا، فَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَقَالَتْ كُلُّ شِرْذِمَةٍ فِيهِ قَوْلًا فَمِائَةٌ تَقُولُ فِيهِ قَوْلًا [١٣] وَسَبْعُونَ تَقُولُ [١٤] فِيهِ قَوْلًا آخَرَ، وَخَمْسُونَ تَقُولُ [١٥] فِيهِ شَيْئًا آخَرَ، وَمِائَةٌ وَسِتُّونَ تَقُولُ شَيْئًا، وَلَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى مَقَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ مِنْهُمُ، اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وصَمَّموا عَلَيْهِ [١٦] وَمَالَ [١٧] إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ، وَكَانَ فَيْلَسُوفًا، فَقَدَّمَهُمْ وَنَصَرَهُمْ وَطَرَدَ مَنْ عَدَاهُمْ، فَوَضَعُوا لَهُ الْأَمَانَةَ الْكَبِيرَةَ، بَلْ هِيَ الْخِيَانَةُ الْعَظِيمَةُ، وَوَضَعُوا لَهُ كُتُبَ الْقَوَانِينِ، وشرَّعوا لَهُ أَشْيَاءَ [١٨]
[١] في أ: "اختلف".
[٢] في ت: "عبد الله".
[٣] في ف، أ: "يكلم".
[٤] في ت: "فيه".
[٥] زيادة من أ.
[٦] في ت: "حدثنا".
[٧] في أ: "فامتتروا".
[٨] في أ: "قلت".
[٩] في ت: "ملك".
[١٠] في ت، ف، أ: "قال".
[١١] تفسير عبد الرزاق (٢/٩) .
[١٢] في ت: "الأساومة".
[١٣] في أ: "شيئا".
[١٤] في ف، أ: "يقولون".
[١٥] في ف، أ: "يقولون".
[١٦] في ت: "عليهم".
[١٧] في ف، أ: "فمال".
[١٨] في أ: "شيئا".