تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢١١
تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ [عَلَيْهَا السَّلَامُ] [١]
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ مَكَّةَ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ [٢] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{كهيعص [١] ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [٢] إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [٣] قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [٤] وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [٥] يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) } .
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَوْلُهُ: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} أَيْ: هَذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ زَكَرِيَّا.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ "ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَريَّا".
[وَ] [٣] {زَكَرِيَّا} : يُمَدُّ وَيُقْصَرُ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ. وَكَانَ نَبِيًّا عَظِيمًا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ نَجَّارًا، أَيْ: كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ فِي النِّجَارَةِ.
وَقَوْلُهُ: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} : قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّمَا أَخْفَى دُعَاءَهُ، لِئَلَّا يُنْسَبَ فِي طَلَبِ الْوَلَدِ إِلَى الرُّعُونَةِ لِكِبَرِهِ. حَكَاهُ المَاوَرْدِيُّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَخْفَاهُ لِأَنَّهُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ. كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْقَلْبَ التَّقِيَّ [٤] ، وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ نَامَ أَصْحَابُهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ يَقُولُ خُفْيَةً: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ فَقَالَ اللَّهُ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} أَيْ: ضَعُفَتْ [٥] وَخَارَتِ الْقُوَى، {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} أَيِ
[١] زيادة من ت، ف، أ.
[٢] رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة (٥/٢٩٠) ومن حديث ابن مسعود (١/٤٦١) .
[٣] زيادة من ت، ف.
[٤] في ت: "النقي".
[٥] في ت، ف: "ضعف".