تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٩٠
بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ قَرْنَيِ الشَّمْسِ مَشْرِقَهَا وَمَغْرِبَهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي عِلْمًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} قَالَ: مَنَازِلَ الْأَرْضِ وَأَعْلَامَهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} قَالَ: تَعْلِيمُ الْأَلْسِنَةِ، كَانَ لَا يَغْزُو قَوْمًا إِلَّا كَلَّمَهُمْ بِلِسَانِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ لَهيعة: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلان، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ [١] لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَنْتَ تَقُولُ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ يَرْبُطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيَّا؟ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: إِنْ كُنْتُ قَلْتُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} .
وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ مُعَاوِيَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ هُوَ الصَّوَابُ [٢] ، وَالْحَقُّ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي الْإِنْكَارِ؛ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ كَعْبٍ: "إِنْ كُنَّا لَنَبْلُو [٣] عَلَيْهِ الْكَذِبَ" يَعْنِي: فِيمَا يَنْقُلُهُ، لَا أَنَّهُ كَانَ يَتَعَمَّدُ نَقْلَ مَا لَيْسَ فِي صَحِيفَتِهِ [٤] ، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي صَحِيفَتِهِ [٥] ، أَنَّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي غَالِبُهَا مُبَدَّلٌ مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ مُخْتَلَقٌ [٦] وَلَا حَاجَةَ لَنَا مَعَ خَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [٧] إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ شَرٌّ كَثِيرٌ [٨] وَفَسَادٌ عَرِيضٌ. وَتَأْوِيلُ كَعْبٍ قَوْلَ اللَّهِ: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} وَاسْتِشْهَادُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِدُهُ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَرْبُطُ خَيْلَهُ بِالثُّرَيَّا غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا مُطَابِقٍ؛ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْبَشَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا إِلَى التَّرَقِّي [٩] في أسباب السموات. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّ بِلْقِيسَ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النَّمْلِ: ٢٣] أَيْ: مِمَّا يُؤْتَى مِثْلُهَا مِنَ الْمُلُوكِ، وَهَكَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ الْأَسْبَابَ، أَيْ: الطُّرُقَ وَالْوَسَائِلَ إِلَى فَتْحِ الْأَقَالِيمِ والرَّسَاتيق وَالْبِلَادِ وَالْأَرَاضِي وَكَسْرِ الْأَعْدَاءِ، وَكَبْتِ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَإِذْلَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ. قَدْ أُوتِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا [١٠] يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ سَبَبًا، وَاللَّهَ أَعْلَمُ.
وَفِي "الْمُخْتَارَةِ" لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ الْمُقَدِّسِيِّ، مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ حِمَازٍ [١١] قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ: كَيْفَ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ سَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ، وقَدَّر لَهُ الْأَسْبَابَ، وَبَسَطَ له اليد [١٢] .
[١] في ت: "يقول".
[٢] في أ: "الطنوب".
[٣] في أ: "لنتلو".
[٤] في ف، أ: "صحفه".
[٥] في ف، أ: "صحفه".
[٦] في أ: "مخلق".
[٧] زيادة من ف، أ.
[٨] في ت: "كبير".
[٩] في ف: "الرقى".
[١٠] في أ: "ما".
[١١] في ت، ف، أ: "حماد".
[١٢] المختارة برقم (٤٠٩) .