تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١١٥
يَبْلُغْنَا عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} أفَعَنَيْتَنَا أَمْ عَنَيْتَ قَوْمَكَ؟ فَقَالَ: "كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ". قَالُوا: إِنَّكَ تَتْلُو أَنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هِيَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَقَدْ آتَاكُمْ مَا إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ اسْتَقَمْتُمْ"، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لُقْمَانَ: ٢٧] .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالرُّوحِ هَاهُنَا عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ [بِالرُّوحِ] [١] : أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ.
قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْنَا عَنِ [٢] الرُّوحِ؟ وَكَيْفَ تَعَذَّبُ الرُّوحُ الَّتِي فِي الْجَسَدِ، وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ؟ وَلَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، فَلَمْ يُحِرْ إِلَيْهِمْ شَيْئًا. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: "جَاءَنِي بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ " فَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا قَالَهُ لَكَ إِلَّا عَدُوٌّ لَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ] [٣] } الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٩٧] .
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرُّوحِ هَاهُنَا: جِبْرِيلُ. قَالَهُ قَتَادَةُ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَكْتُمُهُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: مَلَكٌ عَظِيمٌ بِقَدْرِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا. قَالَ [٤] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} يَقُولُ: الرُّوحُ: مَلَكٌ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْس [٥] الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ رِزْقٍ أَبُو هُرَيْرَةَ [٦] حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا، لَوْ قِيلَ لَهُ: الْتَقِمِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ [٧] بِلَقْمَةٍ وَاحِدَةٍ، لَفَعَلَ، تَسْبِيحُهُ: سُبْحَانَكَ حَيْثُ كُنْتَ" [٨] .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، بَلْ مُنْكَرٌ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو نِمْران يَزِيدُ بْنُ سَمُرَة صَاحِبُ قَيْسَارِيَةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} قَالَ: هُوَ مَلَك مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ وَجْهٍ، لِكُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، لِكُلِّ لِسَانٍ مِنْهَا [سَبْعُونَ] [٩] أَلْفَ لُغَةٍ، يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِتِلْكَ اللُّغَاتِ كُلِّهَا، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة [١٠] .
[١] زيادة من ت، ف، أ.
[٢] في ت، ف، أ: "ما".
[٣] زيادة من ف، أ.
[٤] في ت، ف: "قاله".
[٥] في ت: "ابن عباس".
[٦] في هـ، ف، أ: "روق أبو هبيرة"، والمثبت من الطبراني.
[٧] في ف: "والأرض".
[٨] المعجم الكبير (١١/١٩٥) وقال الهيثمي في المجمع (١/٨٠) : "وهب بن رزق لم أر من ذكر له ترجمة".
[٩] زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
[١٠] تفسير الطبري (١٥/١٠٥) .