تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٦٨
هَذَا خَبَرٌ عَنِ السُّعَدَاءِ، بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْأَشْقِيَاءِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ قِيلَ لَهُمْ: {مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ} فَقَالُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الْجَوَابِ: لَمْ [١] يُنْزِلْ شَيْئًا، إِنَّمَا هَذَا [٢] أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَهَؤُلَاءِ {قَالُوا خَيْرًا} أَيْ: أَنْزَلَ خَيْرًا، أَيْ: رَحْمَةً وَبِرْكَةً وَحُسْنًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ.
ثُمَّ أَخْبَرُوا عَمَّا وَعَدَ اللَّهُ [بِهِ] [٣] عِبَادَهُ فِيمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ فَقَالُوا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النَّحْلِ: ٩٧] ، أَيْ: مَنْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ دَارَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْجَزَاءُ فِيهَا أَتَمُّ مِنَ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [الْقَصَصِ: ٨٠] [٤] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ} [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الْأَعْلَى: ١٧] ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [٥] : {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى} [الضُّحَى: ٤] .
ثُمَّ وَصَفُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ فَقَالُوا [٦] : {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}
وَقَوْلُهُ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بَدَلٌ مِنْ [قَوْلِهِ] [٧] : {دَارُ الْمُتَّقِينَ} أَيْ: لَهُمْ فِي [الدَّارِ] [٨] الْآخِرَةِ {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أَيْ: إِقَامَةٌ [٩] يَدْخُلُونَهَا {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} أَيْ: بَيْنَ أَشْجَارِهَا وَقُصُورِهَا، {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ [١٠] الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزُّخْرُفِ: ٧١] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ السَّحَابَةَ لَتَمُرُّ بِالْمَلَأِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَرَابِهِمْ [١١] ، فَلَا يَشْتَهِي أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَّا أَمْطَرَتْهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَقُولُ: أَمْطِرِينَا كواعب أترابًا، فيكون ذلك [١٢] " [١٣] .
{َ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} أَيْ: كَذَلِكَ [١٤] يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّقَاهُ وَأَحْسَنَ عَمَلَهُ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِهِمْ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، أَنَّهُمْ [١٥] طَيِّبُونَ، أَيْ: مُخَلَّصُونَ مِنَ الشِّرْكِ والدنس
[١] في أ: "أي: لم".
[٢] في أ: "هو".
[٣] زيادة من ت، أ.
[٤] في ت، ف، أ: "وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" وهو خطأ.
[٥] في ت، أ: "صلوات الله عليه وسلامه"، وفي ف: "صلوات الله عليه".
[٦] في ت، ف، أ: "ثم وصف الدار الآخرة فقال".
[٧] زيادة من أ.
[٨] زيادة من ف، أ.
[٩] في أ: "مقامة".
[١٠] في ت، أ: "تشتهي" وهو خطأ.
[١١] في أ: "سرائرهم".
[١٢] في ف: "كذلك".
[١٣] رواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ أبي أمامة رضي الله عنه، وسيأتي بإسناده عند تفسير الآية: ٣٣ من سورة النبأ.
[١٤] في ف، أ: "هكذا".
[١٥] في ت، ف، أ: "وهم".