تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤٤٦
يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى فِيهِ، الَّذِي جَعَلَهُ مَحَلًّا لِلشُّرْبِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ، لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِمْ أَبَدًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ}
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (١٥) }
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَظْمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَدَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. وَلِهَذَا يسجُد لَهُ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَرْهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ} أَيِ: البُكر [١] وَالْآصَالِ، وَهُوَ جَمْعُ أَصِيلٍ وَهُوَ آخِرُ النَّهَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النَّحْلِ: ٤٨] .
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) }
يُقَرِّرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ [٢] أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ رَبُّهَا وَمُدَبِّرُهَا، وَهُمْ مَعَ هَذَا قَدِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَعْبُدُونَهُمْ، وَأُولَئِكَ الْآلِهَةُ لَا تَمَلِكُ لِنَفْسِهَا [٣] وَلَا لِعَابِدِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى {نَفْعًا وَلا ضَرًّا} أَيْ: لَا تُحَصِّلُ مَنْفَعَةً، وَلَا تَدْفَعُ مَضَرَّةً. فَهَلْ يَستَوي مَنْ عَبَدَ هَذِهِ الْآلِهَةَ مَعَ اللَّهِ، وَمِنْ عَبْدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ؟ وَلِهَذَا قَالَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} [٤] أَيْ: أَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً تُنَاظِرُ الرَّبَّ وَتُمَاثِلُهُ فِي الْخَلْقِ، فَخَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَدْرُونَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَخْلُوقٍ غَيْرِهِ؟ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُشَابِهُهُ شَيْءٌ وَلَا يُمَاثِلُهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا عدْل [٥] لَهُ، وَلَا وَزِيرَ لَهُ، وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَإِنَّمَا عَبَدَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُ آلِهَةً هُمْ يَعْتَرِفُونَ [٦] أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لَهُ عَبِيدٌ لَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَكَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَرِ: ٣] [٧] فَأَنْكَرَ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حيث اعتقدوا
[١] في أ: بالبكرات".
[٢] في ت: "يعرفون".
[٣] في ت: "لأنفسها".
[٤] في ت: "يستوى".
[٥] في أ: "ولا عديل".
[٦] في ت، أ: "يعرفون".
[٧] في ت: "إنما".