تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٦٠
ضَرَبَ [تَبَارَكَ وَ] [١] تَعَالَى مَثَلًا لِزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَسُرْعَةِ انْقِضَائِهَا وَزَوَالِهَا، بِالنَّبَاتِ الَّذِي أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَ [٢] مِنَ السَّمَاءِ مِنَ الْمَاءِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ مِنْ زَرْعٍ [٣] وَثِمَارٍ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَصْنَافِهَا، وَمَا تَأْكُلُ [٤] الْأَنْعَامُ مِنْ أَبٍّ وقَضْب وَغَيْرِ ذَلِكَ، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا} أَيْ: زِينَتَهَا الْفَانِيَةَ، {وَازَّيَّنَتْ} أَيْ: حَسُنت بِمَا خَرَجَ مِنْ [٥] رُباها مِنْ زُهُورٍ نَضِرة مُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، {وَظَنَّ أَهْلُهَا} الَّذِينَ زَرَعُوهَا وَغَرَسُوهَا [٦] {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} أي: على جَذاذها وحصادها فبيناهم [٧] كذلك إذ جاءتها صاعقة، أو ريح بادرة، فَأَيْبَسَتْ أَوْرَاقَهَا، وَأَتْلَفَتْ ثِمَارَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا} [٨] أَيْ: يَبَسًا بَعْدَ [تِلْكَ] [٩] الْخُضْرَةِ وَالنَّضَارَةِ، {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ} أَيْ: كَأَنَّهَا مَا كَانَتْ حَسْنَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ} كَأَنَّ لَمْ تَنْعَمْ.
وَهَكَذَا الْأُمُورُ بَعْدَ زَوَالِهَا كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ [١٠] يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا، فيُغْمَس فِي النَّارِ غَمْسَة ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ [هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟] [١١] فَيَقُولُ: لَا. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا [١٢] فَيُغْمَسُ فِي النَّعِيمِ غَمْسَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا" [١٣]
وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمُهْلَكِينَ: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هُودٍ: ٩٤، ٩٥] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} أَيْ: نُبَيِّنُ الحُجج وَالْأَدِلَّةَ، {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فَيَعْتَبِرُونَ بِهَذَا الْمَثَلِ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِهَا سَرِيعًا مَعَ اغْتِرَارِهِمْ بِهَا، وَتَمَكُّنِهِمْ [١٤] بِمَوَاعِيدِهَا وتَفَلّتها [١٥] مِنْهُمْ، فَإِنَّ مِنْ طَبْعِهَا الْهَرَبَ مِمَّنْ طَلَبَهَا، وَالطَّلَبَ لِمَنْ هَرَبَ مِنْهَا، وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الْكَهْفِ: ٤٥] ، وَكَذَا فِي سُورَةِ الزُّمَرِ [١٦] وَالْحَدِيدِ [١٧] يَضْرِبُ بِذَلِكَ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ [١٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هشام قال: سمعت مروان -يعني: ابن
[١] زيادة من ت، أ.
[٢] في ت، أ: "أنزل الله".
[٣] في ت: "زروع".
[٤] في ت: "يأكل".
[٥] في ت: "في".
[٦] في ت: "وعرشوها"
[٧] في ت، أ: "فبيناها".
[٨] في ت، أ: "جاءها" وهو خطأ.
[٩] زيادة من ت، أ.
[١٠] في ت، أ: "الصحيح".
[١١] زيادة من ت، أ، وابن ماجه.
[١٢] في ت، أ: "ويؤتى بأبأس أهل الدنيا".
[١٣] سنن ابن ماجه برقم (٤٣٢١) .
[١٤] في ت، أ: "وتمسكهم".
[١٥] في ت: "وتفلها".
[١٦] الآية: ٢١.
[١٧] الآية: ٢٠
[١٨] في ت: "الحرب".