تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٧٨
وَقَوْلُهُ: {وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} أَيْ: يَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ ويأنَفُون لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ الَّتِي نَسَبُوهَا إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِنَّهُ {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} أَيْ: كَئِيبًا مِنَ الْهَمِّ، {وَهُوَ كَظِيمٌ} سَاكِتٌ مِنْ شِدَّةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ، {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ} أَيْ: يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ {مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أَيْ: إِنْ أَبْقَاهَا أَبْقَاهَا مُهَانَةً لَا يُورِّثُهَا، وَلَا يَعْتَنِي بِهَا، وَيُفَضِّلُ أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ عَلَيْهَا، {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أَيْ: يَئِدُهَا: وَهُوَ: أَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ حَيَّةً، كَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَفَمَنْ يَكْرَهُونَهُ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيَأْنَفُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ؟ {أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} أَيْ: بِئْسَ مَا قَالُوا، وَبِئْسَ مَا قَسَمُوا، وَبِئْسَ مَا نَسَبُوا إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [الزُّخْرُفِ: ١٧] ، وَقَالَ هَاهُنَا: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ} أَيِ: النَّقْصُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى} أَيِ: الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُون (٦٢) }
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ [١] بِخَلْقِهِ مَعَ ظُلْمِهِمْ، وَأَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، أَيْ: لَأَهْلَكَ جَمِيعَ دَوَابِّ الْأَرْضِ تَبِعًا لِإِهْلَاكِ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّ الرَّبَّ، جَلَّ جَلَالُهُ، يَحْلُمُ وَيَسْتُرُ، وَيُنْظِرُ {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} أَيْ: لَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ؛ إِذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لَمَا أَبْقَى أَحَدًا.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ قَالَ: كَادَ الجُعَل أَنْ يُعَذَّبَ بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ، وَقَرَأَ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا [٢] مِنْ دَابَّةٍ} [٣] .
وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيدة قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَادَ الجُعَل أَنْ يَهْلِكَ فِي جُحْرِهِ بِخَطِيئَةِ بَنِي آدَمَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْحَنَفِيُّ [٤] ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ [٥] . قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، حَتَّى إِنَّ الْحُبَارَى لتموت في وكرها [هُزالا] [٦] بظلم الظالم [٧] .
[١] في ت: "علمه".
[٢] في ف، أ: "على ظهرها" وهو خطأ.
[٣] رواه الطبري في تفسيره (١٤/٨٥) .
[٤] في ت: "الجعفي".
[٥] في ف: "بنفسه".
[٦] زيادة من ت، ف، أ، والطبري.
[٧] تفسير الطبري (١٤/٨٥) وقال ابن حجر: "في إسناده محمد بن جابر اليمامي، وهو متروك".