تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٦٤
وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.
وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ [١] مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا} [الْأَنْبِيَاءِ: ٣١] .
وَقَوْلُهُ: {وَعَلامَاتٍ} أَيْ: دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [بِالنَّهَارِ] [٢] .
وَقَوْلُهُ: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} أَيْ: فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: {وَعَلامَاتٍ} يَقُولُونَ: النُّجُومُ، وَهِيَ الْجِبَالُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}
ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ: يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ، وَيُجَازِي عَلَى [٣] الْيَسِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، {رَحِيمٌ} بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، [أَيْ] [٤] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ [٥] .
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) }
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الضَّمَائِرَ وَالسَّرَائِرَ كَمَا يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَدْعُونَهَا [٦] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: ٩٥، ٩٦] .
وَقَوْلُهُ: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} أَيْ: هِيَ جَمَادَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا [٧] فَلَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَعْقِلُ.
{وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} أَيْ: لَا يَدْرُونَ مَتَى تَكُونُ السَّاعَةُ، فَكَيْفَ يُرْتَجَى عِنْدَ هَذِهِ نَفْعٌ أَوْ ثَوَابٌ أَوْ جَزَاءٌ؟ إِنَّمَا يُرْتَجَى [٨] ذَلِكَ مِنَ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وهو خالق كل شيء.
[١] في أ: "ليكون".
[٢] زيادة من ت، ف.
[٣] في ت: "ويتجاوز عن".
[٤] زيادة من ت، ف.
[٥] تفسير الطبري (١٤/٦٤) .
[٦] في ت: "تدعونها".
[٧] في ت، ف، أ: "لها".
[٨] في ت، ف، أ: "يرجى".