تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٧٤
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ [١]
{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) }
يَقُولُ تَعَالَى وَاعِظًا لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أَيْ: أَلَمْ تُخْبَرُوا خَبَرَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ {قَوْمِ نُوحٍ} وَمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْغَرَقِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، إِلَّا مَنْ آمَنَ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَعَادٍ} كَيْفَ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، لَمَّا كَذَّبُوا هُودًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَثَمُودَ} كَيْفَ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ لَمَّا كَذَّبُوا صَالِحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَقَرُوا النَّاقَةَ، {وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ} كَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلَكَ مَلِكَهُمُ النَّمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ بْنِ كُوشَ الْكَنْعَانِيَّ لَعَنَهُ اللَّهُ، {وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ} وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَيْفَ أَصَابَتْهُمُ [٢] الرَّجْفَةُ وَالصَّيْحَةُ وَعَذَابُ يَوْمِ [٣] الظُّلَّةِ، {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} قَوْمِ لُوطٍ، وَقَدْ كَانُوا يَسْكُنُونَ فِي مَدَائِنَ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النَّجْمِ: ٥٣،] أَي: الْأُمَّةَ الْمُؤْتَفِكَةَ، وَقِيلَ: أُمُّ قُرَاهُمْ، وَهِيَ "سَدُومُ". وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ نَبِيَّ اللَّهِ لُوطًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِتْيَانِهِمُ الْفَاحِشَةَ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ.
{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أَيْ: بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أَيْ: بِإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمُ الْحَقَّ، فَصَارُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالدَّمَارِ.
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) }
لَمَّا ذَكَرَ [اللَّهُ] [٤] تَعَالَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الذَّمِيمَةَ، عَطَفَ بِذِكْرِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَحْمُودَةِ، فَقَالَ: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أَيْ: يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ، كَمَا جَاءَ فِي الصحيح: "المؤمن للمؤمن كالبنان يَشُدُّ بَعْضُهُ [٥] بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [٦] وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائر الجسد بالحمى والسهر" [٧]
[١] في صحيح البخاري برقم (٧٣١٩) من طريق محمد بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.
[٢] في ت، أ: "أصابهم".
[٣] في ت، أ: "تلك".
[٤] زيادة من ك.
[٥] في ت: "بعضهم".
[٦] صحيح البخاري برقم (٤٨١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.
[٧] صحيح البخاري برقم (٦٠١١) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.