ايسر التفاسير للجزائري - الجزائري، أبو بكر - الصفحة ٦٠٩
فتاها} [١] أي عبدها {عن نفسه قد شغفها حبا} أي قد بلغ حبها إياه شغاف قلبها أي غشاءه[٢]. {إنا لنراها} أي نظنها {في ضلال مبين} أي خطأ واضح: إذ كيف تحب عبداً وهي من هي في شرفها وعلّو مكانتها. قوله تعالى {فلما سمعت بمكرهن} [٣] أي ما تحدثن به في غيبتها {أرسلت إليهن[٤] وأعتدت لهن[٥] متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا} أي فقابلت مكرهن بمكر أعظم منه فأعدت لهن حفلة طعام وشراب فلما أخذن في الأكل يقطعن بالسكاكين الفواكه كالأترج وغيره أمرته أن يخرج عليهن ليرينه فيعجبن برؤيته فيذهلن عن أنفسهن ويقطعن[٦] أيديهن بدل الفاكهة التي يقطعنها للأكل وبذلك تكون قد دفعت عن نفسها المعرة والملامة، وهذا ما جاء في قوله تعالى {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشا لله[٧] ما هذا بشرا} أي إنسان من الناس. {إن هذا إلا ملك} أي ما هذا إلا ملك {كريم} وذلك لجماله وما وهبه الله تعالى من حسن وجمال في خلقه وخلقه. وهنا قالت ما أخبر تعالى به في قوله {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه} أي هذا هو الفتى الجميل الذي لمتنني في حبه ومراودته عن نفسه {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي راودته فعلا وامتنع عن إجابتي. {ولئن لم يفعل ما آمره} أي به مما أريده منه {ليسجنن وليكونا من الصاغرين} أي الذليلين المهانين. وهكذا اسمعته تهديدها أمام النسوة المعجبات به. ومن هنا فزع يوسف إلى ربّه ليخلصه من مكر هذه المرأة وكيدها فقال ما أخبر تعالى به عنه {قال ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه} أي يا رب فلذا عد كلامه هذا سؤالاً لربه ودعاء السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من الإثم، {وألاّ تصرف عني كيدهن} أي كيد النسوة {أصب إليهن} أي أَملْ إليهن {وأكن} أي بفعل ذلك {من الجاهلين} أي الآثمين بارتكاب معصيتك.
[١] {فتاها} نسب إليها وهو لزوجها باعتبار أنه يخدمها بملك زوجها له فصحّ نسبته إليها، وقيل: إن زوجها وهبه إيّاها كما وهبت سارة هاجر لإبراهيم عليه السلام.
[٢] شغاف القلب: غلافه، وهو: جلدة عليه، وقرىء: شعفها بالعين المهملة أي: أحرق حبّه قلبها، يقال: شعفه الحب: إذا أحرق قلبه.
[٣] وجه مكرهن: أنهن لما سمعن بجمال يوسف وحسنه، رغبن في النظر إليه فاحتلن لذلك بالحديث عن زليخا وانتقادها في حبها لخادمها.
[٤] في الكلام حذف تقديره: فأرسلت إليهن تدعوهنّ إلى وليمة لتوقعن فيما وقعت فيه. أعتدت: هذا من العتاد وهو ما جعل عدّة لشيء ومنه العتاد الحربي وهو ما أعدّ للحرب من أنواع السلاح.
[٥] أصل: {متكأ} موتكأ، حذفت منه الواو كمتزن من وزنت، ومتعدّ من وعدت وقرىء: متكاً غير مهموز وهو الأترج وأمّا مهموزاً فهو: كل ما اتكىء عليه عند الجلوس.
[٦] قال مجاهد: ليس قطعاً تبينُ به اليد، وإنما خدش وحزر وهو معروف في كلام العرب، يقال قطع يده إذا جرحها.
[٧] قرىء: {حاش لله} و {حاشا لله} ، وفيه أربع لغات، ويقال: حاشا زيداً وحاشاً زيداً، ومعناه هنا: معاذ الله.