اللباب في علوم الكتاب - ابن عادل - الصفحة ٤١٩
وثانيها: أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: ٥٥] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال: {وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً} [الأنبياء: ٣٢] .
وثالثها: أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً.
فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ
وهو من وجوه:
الأول: أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء: بالمصابيح {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ} [الملك: ٥] .
وبالقمر {وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً}
[نوح: ١٦] وبالشمس: {وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً} [نوح: ١٦] .
وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة بالدلائل السَّمعية.
الثاني: انه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شانها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: {وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ} [المرسلات: ٩] ، {وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ} [التكوير: ١١] ، {إِذَا السمآء انفطرت} [الانفطار: ١] ، و {إِذَا السمآء انشقت} [الانشقاق: ١] ، {يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: ١٠٤] ، {تَكُونُ السمآء كالمهل} [المعارج: ٨] ، {يَوْمَ تَمُورُ السمآء مَوْراً} [الطور: ٩] . {فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان} [الرحمن: ٣٧] .
وذكر مبدأها فقال: {ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: ١١] وقال: {أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: ٣٠] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال: {وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} [ص: ٢٧] .
الثَّالث: أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد.
والبناء: مصدر «بنيت» ، وإنما قلبت «الياء» همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و «أنزل» عطف على «جعل» و «من السماء» متعلّق به، وهي لابتداء الغاية،