الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - السمين الحلبي - الصفحة ٤٩١
ومِعَىً جِياعاً
قوله: {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «دونَ» بمعنى «غير» ، أي: ومِنَّا غيرُ الصالحين، وهو مبتدأٌ، وإنما فُتِحَ لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍِ، كقوله: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: ٩٤] فيمَنْ نَصَبَ على أحدِ الأقوالِ، وإلى هذا نحا الأخفشُ. والثاني: أنَّ «دونَ» على بابِها من الظرفية، وأنها صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: ومنا فريقٌ أو فوجٌ دونَ ذلك وحَذْفُ الموصوفِ مع «مِنْ» التبعيضيَّةِ يَكْثرُ كقولِهم: منا ظَعَنَ ومنَّا أقام، أي: مِنَّا فريقٌ. والمعنى: ومِنَّا صالحون دونَ أولئك في الصَّلاح.
قوله: {أَشَرٌّ أُرِيدَ} : يجوزُ فيه وجهان، أحسنُهما، الرفعُ بفعلٍ مضمرٍ على الاشتغالِ، وإنما كان أحسنَ لتقدُّمِ طالبِ الفعلِ، وهو أداةُ الاستفهامِ. والثاني: الرفعُ على الابتداءِ. ولقائلٍ أَنْ يقولَ: يتعيَّنُ هنا الرفعُ بإضمارِ فعلٍ لمَدْركٍ آخر: وهو أنَّه قد عُطِفَ ب «أم» فِعْلٌ، فإذا أَضْمَرْنا الفعلَ رافِعاً كُنَّا قد عَطَفْنا جملةً فعليةً على مِثْلِها بخلافِ رفعِه بالابتداءِ، فإنَّه حينئذٍ يُخْرِجُ «أم» عن كونِها عاطفةً إلى كونِها منقطعةً، إلاَّ بتأويلٍ بعيدٍ: وهو أنَّ الأصلَ: أشرٌّ أُريد بهم أم خيرٌ، فوَضَعَ قولَه {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ} موضعَ «خيرٌ» وقولَه «أشرٌ» سادٌّ مَسَدَّ مفعولَيْ «ندري» بمعنى أنه مُعَلِّقٌ له، وراعى معنى «مَنْ» في قولِه {بِهِمْ رَبُّهُمْ} فجَمَعَ.