التحرير والتنوير - ابن عاشور - الصفحة ٨٨
التَّكْرِيرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ فَحَصَلَ الْغَرَضَانِ.
وَالْبَاءُ فِي بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْكَلِمَاتُ هِيَ: كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ كَقَوْلِهِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الْفَتْح: ١٥] ، أَوِ الْمُرَادُ: كَلِمَاتُ التَّكْوِينِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِيجَادِ عَلَى وَفْقَ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الْكَهْف: ٢٧] . وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأُسْلُوبِ الْخطاب للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى فِي الِاعْتِنَاءِ بِتَلْقِينِهِ جَوَابَ تَكْذِيبِهِمْ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَفْظِيعٍ لِبُهْتَانِهِمْ، وَهَذَا وَجْهُ التَّخَالُفِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ [يُونُس: ١٦] لَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسُوقًا لِإِبْطَالِ كَلَامٍ صَدَرَ مِنْهُمْ.
وَجُمْلَةُ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تَعْلِيلٌ لِمَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ إِلَى قَوْلِهِ:
بِكَلِماتِهِ، أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ افْتِرَاءُ مُفْتَرٍ وَلَا صِدْقُ مُحِقٍّ. وَ (ذَاتِ الصُّدُورِ) : النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدُ الَّتِي يُضْمِرُهَا النَّاسُ فِي عُقُولِهِمْ. وَالصُّدُورُ: الْعُقُولُ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الصُّدُورُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فِي سُورَة الْأَنْفَال [٤٣] .
[٢٥، ٢٦]
[سُورَة الشورى (٤٢) : الْآيَات ٢٥ إِلَى ٢٦]
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦)
لَمَّا جَرَى وَعِيدُ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ لِتَأْيِيدِ بَاطِلِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] . ثُمَّ أُتْبِعَ بِوَصْفِ سُوءِ حَالِهِمْ يَوْمَ الْجَزَاءِ بَقَوْلِهِ: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا [الشورى: ٢٢] ، وَقُوبِلَ بِوَصْفِ نَعِيمِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ [الشورى: ٢٢] ، وَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أَنْ يَكْسِرَ نُفُوسَ أَهْلِ