التحرير والتنوير - ابن عاشور - الصفحة ٣٦٥
وَمَعْنَى أَوْ أَمْضِيَ أَوْ أَسِيرَ. وَالْمُضِيُّ: الذَّهَابُ وَالسَّيْرُ.
وَالْحُقُبُ- بِضَمَّتَيْنِ- اسْمُ لِلزَّمَانِ الطَّوِيلِ غَيْرُ مُنْحَصِرِ الْمِقْدَارِ، وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ.
وَعُطِفَ أَمْضِيَ عَلَى أَبْلُغَ بِ (أَوْ) فَصَارَ الْمَعْطُوفُ إِحْدَى غَايَتَيْنِ لِلْإِقْلَاعِ عَنِ السَّيْرِ، أَيْ إِمَّا أَنْ أَبْلُغَ الْمَكَانَ أَوْ أَمْضِيَ زَمَنًا طَوِيلًا. وَلَمَّا كَانَ مُوسَى لَا يُخَامِرُهُ الشَّكُّ
فِي وُجُودِ مَكَانٍ هُوَ مجمع للبحرين وَالْفَاء طِلْبَتِهِ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِحَرْفِ التَّرْدِيدِ تَأْكِيدَ مُضِيِّهِ زَمَنًا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْوُصُولُ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. فَالْمَعْنَى: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ بِسَيْرٍ قَرِيبٍ أَوْ أَسِيرُ أَزْمَانًا طَوِيلَةً فَإِنِّي بَالِغٌ مجمع الْبَحْرين لَا محَالة، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا تَأْيِيسَ فَتَاهُ مِنْ مُحَاوَلَةِ رُجُوعِهِمَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَباً [الْكَهْف: ٦٢] .
أَوْ أَرَادَ شَحْذَ عَزِيمَةِ فَتَاهُ لِيُسَاوِيَهُ فِي صِحَّةِ الْعَزْمِ حَتَّى يَكُونَا عَلَى عزم مُتحد.
[٦١- ٦٣]
[سُورَة الْكَهْف (١٨) : الْآيَات ٦١ إِلَى ٦٣]
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣)
الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ وَالْفَصِيحَةُ لِأَنَّهَا تُفْصِحُ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ فَسَارَا حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ. وَضَمِيرُ بَيْنِهِما عَائِدٌ إِلَى الْبَحْرِينِ، أَيْ مَحَلًّا يَجْمَعُ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ. وَأُضِيفَ (مَجْمَعُ) إِلَى (بَيْنَ) عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، فَإِنَّ (بَيْنَ) اسْمٌ لِمَكَانٍ