سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٥٩١
يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ. قَالَ: فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ، رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى الفِرَاشِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْضِ شَيْئاً شَهْرَيْنِ، فَقَرَّحَ فَخِذَاهُ جَمِيْعاً.
وَقَالَ رُسْتَه: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُوْلُ لِفَتَىً مِنْ وَلَدِ الأَمِيْرِ جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي الرَّبِّ وَتَصِفُهُ وَتُشَبِّهُهُ. قَالَ: نَعَمْ، نَظَرْنَا، فَلَمْ نَرَ مِنْ خَلْقِ اللهِ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنَ الإِنْسَانِ. فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الصِّفَةِ وَالقَامَةِ، فَقَالَ لَهُ: رُوَيْدَكَ يَا بُنَيَّ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي المَخْلُوْقِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْهُ، فَنَحْنُ عَنِ الخَالِقِ أَعْجَزُ، أَخْبِرْنِي عَمَّا حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النَّجْمُ: ١٨] . قَالَ: رَأَى جِبْرِيْلَ لَهُ سِتُّ مائَةِ جَنَاحٍ[١]، فَبَقِيَ الغُلاَمُ يَنْظُرُ، فَقَالَ: أَنَا أُهَوِّنُ عليك، صف لي خلقًا لَهُ ثَلاَثَةُ أَجْنِحَةٍ، وَرُكِّبَ الجَنَاحُ الثَّالِثُ مِنْهُ مَوْضِعاً حَتَّى أَعْلَمَ. قَالَ: يَا أَبَا سَعِيْدٍ، عَجَزْنَا عَنْ صِفَةِ المَخْلُوْقِ، فَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ عَجَزْتُ وَرَجَعْتُ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: سُئِلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، فَقَالَ: ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ حَدِيْثاً.
قَالَ أَحْمَدُ العِجْلي: شَرِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ البَلاَذرَ[٢]، وَكَذَا الطَّيَالِسِيُّ، فَبَرِصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَجُذِمَ الآخَرُ. قَالَ: وَقِيْلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: يَغْفِرُ لَكَ ذَنْباً، أَوْ تَحْفَظُ حَدِيْثاً? قَالَ: أَحْفَظُ حَدِيْثاً.
أَبُو الرَّبِيْعِ الزَّهْرَانِيُّ: سَمِعْتُ جَرِيْراً الرَّازِيَّ يَقُوْلُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَوَصَفَ حِفْظَهُ وَبَصَرَهُ بِالحَدِيْثِ.
قَالَ نُعيم بن حماد: قلت لعبد الرحمن مَهْدِيٍّ: كَيْفَ تَعرِفُ الكَذَّابَ? قَالَ: كَمَا يَعْرِفُ الطَّبِيْبُ المَجْنُوْنَ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي صَفْوَانَ: سمعت علي بن المديني يقول: لو أخذت، فحلفت بين
[١] صحيح: أخرجه البخاري "٣٢٣٢"، ومسلم "١٧٤" من طرق عن سليمان الشيباني عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، به.
[٢] البلاذر: ثمرة شبيهة بنوى التمر، ولبه مثل لب الجوز، حلو لا مضرة فيه، وقشرة متخلخل متثقب، في تخلخله عسل لزج ذو رائحة، ومن الناس من يقضمه فلا يضره وخصوصا مع الجوز ذكره ابن سينا في كتابه "القانون" "١/ ٢٦٧".