سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٥٨
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: هُوَ صَحِيْحُ، الكِتَابِ وَإِذَا حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، رُبَّمَا يَهِمُ.
وَقَالَ عَفَّانُ بنُ مُسْلِمٍ: كَانَ أَبُو عَوَانَةَ صَحِيْحَ الكِتَابِ، ثَبْتاً، كَثِيْرَ العَجْمِ، وَالنَّقطِ.
وَقَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ القَطَّانُ: مَا أَشْبَهَ حَدِيْثَهُ بِحَدِيْثِ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ.
وَقَالَ عَفَّانُ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُوْلُ: إِنْ حَدَّثَكُم أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فصدقوه.
قال الحافظ بن عَدِيٍّ: كَانَ مَوْلاَهُ يَزِيْدُ قَدْ خَيَّرَهُ بَيْنَ الحُرِّيَّةِ، وَكِتَابَةِ الحَدِيْثِ، فَاخْتَارَ كِتَابَةَ الحَدِيْثِ. وَفَوَّضَ إِلَيْهِ مَوْلاَهُ التِّجَارَةَ، فَجَاءهُ سَائِلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي دِرْهَمَيْنِ، فَإِنِّي أَنْفَعُكَ. فَأَعْطَاهُ، فَدَارَ السَّائِلُ عَلَى رُؤَسَاءِ البَصْرَةِ، وَقَالَ: بَكِّرُوا عَلَى يَزِيْدَ بنِ عَطَاءٍ، فَإِنَّهُ قَدْ أَعتَقَ أَبَا عَوَانَةَ. قَالَ: فاجتمعوا إلى يزيد، وهنئوه، فَأَنِفَ مِنْ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ، فَأَعْتَقَهُ حَقِيْقَةً.
وَرَوَى أَبُو عُمَرَ الضَّرِيْرُ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى هَمَّامِ بنِ يَحْيَى، وَهُوَ مَرِيْضٌ أَعُوْدُهُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَوانة! ادْعُ اللهَ أَنْ لاَ يُمِيْتَنِي حَتَّى يَبلُغَ وَلَدِي الصِّغَارُ. فَقُلْتُ: إِنَّ الأَجَلَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ. فَقَالَ لِي: أَنْتَ بَعْدُ فِي ضَلاَلِكَ.
قُلْتُ: بِئْسَ المَقَالُ هَذَا، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ سَابِقٍ، وَلَكِنْ وَإِنْ كَانَ الأَجَلُ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ بِطُوْلِ البَقَاءِ قَدْ صَحَّ. دَعَا الرَّسُوْلُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِخَادمِهِ أَنَسٍ بِطُوْلِ العُمُرِ[١]، وَاللهُ يَمحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ. فَقَدْ يَكُوْنُ طُوْلُ العُمُرِ فِي عِلْمِ اللهِ مَشْرُوطاً بِدُعَاءٍ مُجَابٍ، كَمَا أَنَّ طَيَرَانَ العُمُرِ قَدْ يَكُوْنُ بِأَسبَابٍ جَعَلَهَا مِنْ حور وَعَسْفٍ، وَ"لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ"[٢]، والكتاب الأول فلا يتغير.
[١] حسن: أخرجه ابن سعد في "الطبقات" "٧/ ١٩"، قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة قال: قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ذهبت بي أمي إِلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت: يا رسول الله! خويدمك ادع الله له، قال: "اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره، واغفر ذنبه". قال أنس: فقد دفنت من صلبي مائة غير اثنين، أو قال مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وأنا أرجو الرابعة".
قلت: إسناده حسن، سنان بن ربيعة، صدوق. وقد ورد عن أنس بن مالك أنها قَالَتْ لِرَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنس خادمك، ادع الله له، قال: "اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته". أخرجه البخاري "٦٣٧٨" و"٦٣٧٩"، ومسلم "٢٤٨٠"، والترمذي "٣٨٢٩"، والبغوي "٣٩٩٠" من طريق بُندار، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، بن أم سليم، به.
[٢] حسن لغيره: ورد عن ثوبان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" أخرجه ابن أبي شيبة "١٠/ ٤٤١، ٤٤٢"، وأحمد "٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢"، وابن ماجه "٩٠" و"٤٠٢٢"، وابن المبارك في "الزهد" =