سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٤٤
الأَصْمَعِيُّ، عَنْ مُعْتَمِرِ بنِ حَيَّانَ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُقْبَةَ أَخِي ذِي الرُّمَّةِ، قَالَ: شَهِدْتُ الأَحْنَفَ بنَ قَيْسٍ وَقَدْ جَاءَ إِلَى قَوْمٍ فِي دَمٍ، فَتَكلَّمَ فِيْهِ، وَقَالَ: احْتَكِمُوا قَالُوا: نَحْتَكِمُ دِيَتَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ لَكُم. فَلَمَّا سَكَتُوا, قَالَ: أَنَا أُعْطِيْكُم مَا سَأَلْتُم, فَاسْمَعُوا: إِنَّ اللهَ قَضَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ, وَإِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَضَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ, وَإِنَّ العَرَبَ تَعَاطَى بَيْنَهَا دِيَةً وَاحِدَةً, وَأَنْتُمُ اليَوْمَ تُطَالِبُوْنَ وَأَخْشَى أَنْ تَكُوْنُوا غَداً مَطْلُوْبِيْنَ فَلاَ تَرْضَى النَّاسُ مِنْكُمْ إلَّا بِمِثْلِ مَا سَنَنْتُم. قَالُوا: رُدَّهَا إِلَى دِيَةٍ.
عَنِ الأَحْنَفِ: ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْتَصِفُوْنَ مِنْ ثَلاَثَةٍ: شَرِيْفٌ مِنْ دَنِيْءٍ, وَبَرٌّ مِنْ فَاجِرٍ, وَحَلِيْمٌ مِنْ أَحْمَقَ.
وَقَالَ: مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُوْنَ، قَالُوا فِيْهِ مَا لاَ يَعْلَمُوْنَ. وَعَنْهُ، سُئِلَ: مَا المُرُوْءةُ؟ قَالَ كِتْمَانُ السِّرِّ وَالبُعْدُ مِنَ الشَّرِّ.
وَعَنْهُ: الكَامِلُ مَنْ عُدَّتْ سَقَطَاتُهُ.
وَعَنْهُ: قَالَ رَأْسُ الأَدَبِ آلَةُ المَنْطِقِ، لاَ خَيْرَ فِي قَوْلٍ بِلاَ فِعْلٍ، وَلاَ فِي مَنْظَرٍ بِلاَ مَخْبَرٍ, وَلاَ فِي مَالٍ بِلاَ جُوْدٍ, وَلاَ فِي صَدِيْقٍ بِلاَ وَفَاءٍ, وَلاَ فِي فِقْهٍ بِلاَ وَرَعٍ, وَلاَ فِي صَدَقَةٍ إلَّا بِنِيَّةٍ, ولا في حياة إلَّا بصحة وأمن.
وَعَنْهُ: العِتَابُ مِفْتَاحُ الثُّقَالَى، وَالعِتَابُ خَيْرٌ مِنَ الحِقْدِ.
هِشَامٌ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: رَأَى الأَحْنَفُ فِي يَدِ رَجُلٍ دِرْهَماً, فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالَ: لِي قَالَ: لَيْسَ هُوَ لَكَ حَتَّى تُخْرِجَهُ فِي أَجْرٍ أَوِ اكْتِسَابِ شُكْرٍ وَتَمَثَّلَ:
أَنْتَ لِلْمَالِ إِذَا أَمْسَكْتَهُ ... وَإِذَا أَنْفَقْتَهُ فَالمَالُ لَكْ
وَقِيْلَ: كَانَ الأَحْنَفُ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ واسع لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ أَرَاهُ كَأَنَّهُ يُوْسِعُ لَهُ.
وَعَنْهُ قَالَ: جَنِّبُوا مَجَالِسَنَا ذِكْرَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ, إِنِّي أُبْغِضُ الرَّجُلَ يَكُوْنُ وَصَّافاً لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ كَلَّم مُصْعَباً فِي مَحْبُوْسَيْنِ, وَقَالَ: أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيْرَ, إِنْ كَانُوا حُبِسُوا فِي بَاطِلٍ, فَالعَدْلُ يَسَعُهُم وَإِنْ كانوا حبسوا في الحق, فَالعَفْوُ يَسَعُهُم.
وَعَنْهُ, قَالَ: لاَ يَنْبَغِي لِلأَمِيْرِ الغَضَبُ, لأَنَّ الغَضَبَ فِي القُدْرَةِ لِقَاحُ السَّيْفِ وَالنَّدَامَةِ.
الأَصْمَعِيُّ, قَالَ: عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ, قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الأَحْنَفُ الكُوْفَةَ مَعَ مُصْعَبٍ, فَمَا رَأَيْتُ صِفَةً تُذَمُّ إلَّا رَأَيْتُهَا فِيْهِ, كَانَ ضَئِيْلاً, صَعْلَ الرَّأْسِ, مُتَرَاكِبَ الأَسْنَانِ, مَائِلَ الذقن،