سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٤٧
ثَابِتٌ البُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "سَلُوْنِي". فَقَالَ رَجُلٌ من أبي يا رسول الله قال: "أبوك حذافة" [١].
عَبْدُ اللهِ بنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَحِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْزِ القَسْمَلِيُّ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَجَّهَ عُمَرُ جَيْشاً إِلَى الرُّوْمِ فَأَسَرُوا عَبْدَ اللهِ بنَ حُذَافَةَ فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِم فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ وَأُعْطِيَكَ نِصْفَ مُلْكِي? قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيْعَ ما تملك وجميع مَا تَمْلِكُ وَجَمِيْعَ مُلْكِ العَرَبِ مَا رَجَعْتُ، عَنْ دِيْنِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ. قَالَ: إِذاً أَقْتُلُكَ قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوْهُ قَرِيْباً مِنْ بَدَنِهِ وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَيَأْبَى فَأَنْزَلَهُ وَدَعَا بِقِدْرٍ فَصَبَّ فِيْهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ وَدَعَا بِأَسِيْرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا فَأُلْقِيَ فِيْهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى. ثُمَّ بَكَى. فَقِيْلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّهُ بَكَى. فَظَنَّ أَنَّه قَدْ جَزِعَ فَقَالَ: رُدُّوْهُ. مَا أَبْكَاكَ? قَالَ: قُلْتُ هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى السَّاعَةَ فَتَذْهَبُ فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُوْنَ بِعَدَدِ شَعْرِي أَنْفُسٌ تُلْقَى فِي النَّارِ فِي اللهِ.
فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ?
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: وَعَنْ جَمِيْعِ الأُسَارَى? قَالَ: نَعَمْ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
وَقَدِمَ بِالأُسَارَى عَلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ وَأَنَا أبدأ. فقبل رأسه.
الوَلِيْدُ بنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، وَمَالِكُ بنُ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ أَسَرُوا ابْنَ حُذَافَةَ فَأَمَرَ بِهِ مَلِكُهُمْ فَجُرِّبَ بِأَشْيَاءَ صَبَرَ عَلَيْهَا ثُمَّ جَعَلُوا لَهُ فِي بَيْتٍ مَعَهُ الخمر ولحم
[١] صحيح: أخرجه البخاري "٩٣" و"٧٢٩٤"، ومسلم "٢٣٥٩" من طريق أبي اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري عَنْ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا". قال أنس فأكثر الناس البكاء، وأكثر رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يقول: "سلوني" فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: "النار". فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: "أبوك حذافة". قال: ثم أكثر أن يقول: "سلوني سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا قال: فسكت رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ قال عمر ذلك. ثم قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى: "والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر".