سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٩١
قَالَ: مَا فَعَلَ، أَقُتِلَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعَزُّ لَهُ وَأَنْصَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: مَا تُرِيْدُ إِلَيَّ? قُلْتُ: الأَسْرُ فَإِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى، عَنْ قَتْلِكَ قَالَ: لَيْسَتْ بِأَوَّلِ صِلَتِهِ فَأَسَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِالعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ آزَرَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيْمٍ".
ابْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَسَرَ العَبَّاسَ أَبُو اليَسَرِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ أَسَرْتَهُ"؟ قَالَ: لَقَدْ أَعَانَنِي عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ هَيْئَتُهُ كَذَا. قَالَ: "لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيْمٌ".
ثُمَّ قَالَ لِلعَبَّاسِ: افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيْكَ عَقِيْلاً وَنَوْفَلَ بنَ الحَارِثِ وَحَلِيْفَكَ عُتْبَةَ بنَ جَحْدَمٍ. فَأَبَى وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ مُسْلِماً قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُوْنِي. قَالَ: "اللهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقّاً فَاللهُ يَجْزِيْكَ بِذَلِكَ وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا فَافْدِ نَفْسَكَ".
وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ عَرَفَ أَنَّ العَبَّاسَ أَخَذَ مَعَهُ عِشْرِيْنَ أُوْقِيَّةً ذَهَباً فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ احْسُبْهَا لِي مِنْ فِدَائِي. قَالَ: "لاَ، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللهُ مِنْكَ" قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مَالٌ قَالَ: "فَأَيْنَ المَالُ الَّذِي وَضَعْتَهُ بِمَكَّةَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ وَلَيْسَ مَعَكُمَا أَحَدٌ غَيْرَكُمَا فَقُلْتَ: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي فَلِلْفَضْلِ كَذَا لِقُثَمَ كَذَا وَلعَبْدِ اللهِ كَذَا".
قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عَلِمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيَرَهَا وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُوْلُ اللهِ.
يُوْنُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عبيد الله ابن العَبَّاسِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ. فَفَدَى كُلُّ قَوْمٍ أَسِيْرَهُمْ بِمَا تَرَاضَوْا. وَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ مُسْلِماً.
إِلَى أَنْ قَالَ: وَأُنزِلَتْ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُم} [١] [الأنفال: ٧٠] .
[١] الأساري هي قراءة أبي عمرو. وقد كان أهل الشام يقرءون بهذه القراءة في عصر الحافظ الذهبي -رحمه الله- مؤلف "السير".