سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٧١
وقد لبثت يابن أَخِي ثَلاَثِيْنَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا لِي طَعَامٌ إلَّا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنِي وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ[١] جُوْعٍ.
فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ[٢] جاءت امرأتان تطوفان وَتَدْعُوَانِ إِسَافاً وَنَائِلَةَ[٣] فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا. فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الآخَرَ فَمَا تَنَاهَتَا، عَنْ قَوْلِهِمَا فَأَتَتَا عَلَيَّ. فَقُلْتُ: هَنٌ[٤]مِثْلُ الخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لاَ أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلاَنِ تَقُوْلاَنِ: لو كان ههنا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُوْلُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَتَانِ فَقَالَ: "مَا لَكُمَا"؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا. قَالَ: "فَمَا قَالَ لَكُمَا"؟ قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ كَلِمَةً تَمْلأُ الفَمَ.
قَالَ: وَجَاءَ رَسُوْلُ اللهِ حَتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ ثُمَّ صَلَّى. وَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَمِ. قَالَ: "عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ"؟ قُلْتُ: مِنْ غِفَارَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِّي انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارَ فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَدَفَعَنِي صَاحِبُهُ وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي.
قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ رأسه فقال: "متى كنت ههنا"؟ قُلْتُ: مُنْذُ ثَلاَثِيْنَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَالَ: "فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ"؟ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ وَمَا أَجِدُ عَلَى بَطْنِي سَخْفَةَ جُوْعٍ. قَالَ: "إِنَّهَا مباركة إنها طعام طعم"[٥].
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُوْلَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ فَانْطَلَقْنَا فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَاباً فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيْبِ الطَّائِفِ. فَكَانَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا.
وَأَتَيْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ لاَ أُرَاهَا إلَّا يَثْرِبَ فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ ويأجرك فيهم"؟.
[١] سخفة جوع: يعني رقته وهزاله. والسخف بالفتح: رقة العيش، وبالضم رقة العقل. وقيل هي الخفة التي تعتري الإنسان إذا جاع من السخف وهي الخفة في العقل وغيره.
[٢] في ليلة إضحيان: أي مضيئة مقمرة. يقال ليلة إضحيان واضحيانة والألف والنون زائدتان..
[٣] إساف ونائلة: صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا.
[٤] هن: اسم الذكر وقوله: غير أني لا أكني: أي أفصح باسمه ويصرح به.
[٥] طعام طعم: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.