سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٢٥
القَوْمَ يَوْمَ الأَحَدِ. حَتَّى قَالَ: يَا سَلْمَانُ إِنَّ اللهَ سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُوْلاً اسْمُهُ أَحْمَدُ يَخْرُجُ بِتِهَامَةَ وَكَانَ رَجُلاً أَعْجَمِيّاً لاَ يُحْسِنُ أَنْ يَقُوْلَ مُحَمَّدٌ عَلاَمَتُهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيْهِ قَدْ تَقَارَبَ فَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيْرٌ وَلاَ أَحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ فَإِنْ أَنْتَ أَدْرَكْتَهُ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ قُلْتُ: وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِيْنِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِن رِضَى الرَّحْمَنِ فِيْمَا قَالَ.
فَلَمْ يَمْضِ إلَّا يَسِيْرٌ حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَزِعاً يَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ مَضَى الفَيْءُ مِنْ هَذَا المَكَانِ وَلَمْ أَذْكُرِ اللهَ أَيْنَ مَا كُنْتَ جَعَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ? قُلْتُ: لأَنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَسْتَوْفِيَ مِنَ النَّوْمِ فَحَمِدَ اللهَ وَقَامَ.
وَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ فَمَرَّ بِالمُقْعَدِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ دَخَلْتَ وَسَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي وَخَرَجْتَ فَسَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي فَقَامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى أَحَداً فَلَمْ يَرَ فَدَنَا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ: نَاوِلْنِي يَدَكَ فَنَاوَلَهُ فَقَالَ: بَاسْمِ اللهِ فَقَامَ كَأَنَّهُ نَشَطَ مِنْ عُقَالٍ صَحِيْحاً لاَ عَيْبَ فِيْهِ فَانْطَلَقَ ذَاهِباً فَكَانَ لاَ يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ وَلاَ يَقُوْمُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِي المُقْعَدُ: يَا غُلاَمُ احْمِلْ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُبَشِّرَ أَهْلِي فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَانْطَلقَ لاَ يَلْوِي عَلَيَّ فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ أَطْلُبُهُ فَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ قَالُوا: أَمَامَكَ حَتَّى لَقِيَنِي رَكْبٌ مِنْ كلب فسألتهم فَلَمَّا سَمِعُوا لُغَتِي أَنَاخَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعِيْرَهُ فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَتَوْا بِي بِلاَدَهُم فَبَاعُوْنِي وَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا.
وَقَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُخْبِرْتُ بِهِ فَأَخَذْتُ شَيْئاً مِنْ تَمْرِ حَائِطِي وَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ نَاساً وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "مَا هَذَا"؟ قُلْتُ: صَدَقَةٌ فَقَالَ: "كُلُوا" وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ لَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَتَيْتُهُ بِهِ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ نَاساً فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: "مَا هَذَا"؟ قُلْتُ: هَدِيَّةٌ فَقَالَ: "بَاسْمِ اللهِ" وَأَكَلَ وَأَكَلَ القَوْمُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ مِنْ آيَاتِهِ.
كَانَ صَاحِبِي رَجُلاً أَعْجَمِيّاً، لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَقُوْلَ تِهَامَةَ فَقَالَ: تُهْمَةُ.
قَالَ: فَدُرْتُ مِنْ خَلْفِهِ فَفَطِنَ لِي فَأَرْخَى ثَوْبَهُ فَإِذَا الخَاتَمُ فِي نَاحِيَةِ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ فَتَبَيَّنْتُهُ ثُمَّ دُرْتُ حَتَّى جَلَستُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلَّا اللهَ وَأَنَّكَ رَسُوْلُ اللهِ قَالَ: "مَنْ أَنْتَ"؟ قُلْتُ: مَمْلُوْكٌ وَحَدَّثْتُهُ حَدِيْثِي وَحَدِيْثَ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ وَمَا أَمَرَنِي بِهِ قَالَ: "لِمَنْ أَنْتَ"؟ قُلْتُ: لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ جَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ" قَالَ: لَبَّيْكَ قَالَ: "اشْتَرِهِ" فَاشْتَرَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَنِي فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ ثم أتيته،