فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٨٧
استخدام الجواسيس:
استخدم المسلمون الجواسيس منذ عهد النبوة، وقد وضع الرسول منهجًا لاستخدامهم؛ فكان ينهاهم عند خروجهم أن يحدث أحدهم حدثًا ينبه إليه، أو يقتل أحدًا إلّا إذا أجبر على ذلك؛ لأن الفوز بالمعلومات أثمن من ذلك، ففي يوم الخندق أرسل حذيقة بن اليمان عينًا على قريش, ونهاه أن يحدث شيئًا حتى يعود إليه.
وكان عمر معنيًّا بأمر العيون والجواسيس، وكان ينهى الأعاجم عن دخول المدينة خشية التجسس على المسلمين، وكان ينهاهم عن التشبه بالمسلمين في لباسهم ومركبهم, حتى لا يلتبس الأمر على الناس. وكان عمرو بن العاص في حروبه مع الروم يحتفظ بطائفة من الجواسيس يتكلمون الرومية، وكان يرسلهم إلى الروم متنكرين, فيقيمون بينهم ويعودون إليه بأخبارهم.
وقد تطور أمر استخدام الجواسيس, حتى صار القادة يكتمون أمرهم؛ بحيث لا يعرف بعضهم ببعضًا، فكان القائد يلقاهم فرادى في سرية تامة، فإذا شغله شاغل، جعل لكل جاسوسٍ رجلًا خاصًّا يتصل به من أوثق خاصته، وكان القادة أحيانًا يظهرون لعدوهم ما يحب أن يعلمه عنهم، ليكيدوا له ويغرروا به, وقد أوضح ذلك الهرثمي في قوله: "لقد تحتاج في بعض الأحوال أن يعرف عدوك بعض أحوالك وتدبيرك لما تحاول من مكايدته، فتلطف في ذلك بإظهاره لجواسيسه، ليوصلوه إليه على ما يظهر لهم فيه".
المفاجأة:
استخدم المسلمون المفاجأة على صور شتَّى كما يلي:
١- المفاجأة بأسلوب جديد للقتال؛ كالقتال بتنظيم الصف في بدر، وحفر الخندق في غزوة الأحزاب.
٢- المفاجأة في توقيت الهجوم كالهجوم في الفجر كما في سرية أبي سلمة سنة ٣هـ, وكالهجوم على بني قريظة بعد ظهر يوم انسحاب الأحزاب عن مهاجمة المدينة؛ بحيث لم يدع لهم فرصة من الوقت للاستعانة بحلفائهم أو الاستعداد للقائه.
٣- المفاجأة باستخدام سلاح جديد في المعركة؛ كاستخدام المنجنيق في حصار الطائف.
٤- المفاجأة بالمكان، ففي غزوة بني لحيان تحرك الرسول شمالًا باتجاه الشام حتى يخفي اتجاه حركته, وبذلك باغتهم.
٥- المفاجأة بالزمان والمكان وتشكيل القتال وقوة الهجوم ونيته -وهو ما يعرف بالمفاجأة الاستراتجية في فن الحديث- كما في غزوة فتح مكة