فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٦٨
إن الرواتب لم ترتفع بارتقاء الدولة العباسية, بل هي أخذت في التناقص١، فصارت في أيام المأمون عشرين درهمًا للراجل في الشهر, وأربعين للراكب, فكان جيش عيسى بن محمد بن أبي خالد, عام ٢٠١هـ"١٢٥" ألف فارس, فأعطى الفارس أربعين درهمًا, والراجل عشرين, وزد على ذلك أن قيمة الذهب كانت قد ارتفعت عمَّا كانت عليه في أوائل الإسلام، وكان الدينار في أيام عمر يساوي عشرة دراهم, فأصبح في أيام المأمون يساوي ١٥ درهمًا, وما زال العطاء يدفع نقدًا إلى أيام الدولة السلجوقية، فصار يعطي إقطاعًا، وأول من فعل ذلك نظام الملك الطوسي, وزير آل سلجوقي "توفي سنة ٤٨٥هـ"، فقد رأى الدولة السلجوقية قد اتسع نطاقها, فأحب أن يحفظها بالإقطاع، فحولها إلى إقطاعيات سلمها إلى الجند، وقد اقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك والسلاطين إلى أوائل القرن الماضي, واختلفت غلات الأمراء من إقطاعاتهم، فقد بلغت غلة إقطاع بعض أكابر أمراء المئين من دولة المماليك, نحو ٢٠٠.٠٠٠, ويليهم من غلتهم نصف ذلك أو ربعه، وأما أمراء العشرات فنهايتها سبعة آلاف دينار إلى ما دون ذلك, أما جند الخليفة فمنهم، من يبلغ إقطاعه١٥٠٠ دينار, ومادون ذلك إلى ٢٥٠ دينارًا.
١ السبب في ذلك أن العرب كانوا قد انتشروا في أنحاء البلاد واختلطوا بالأعاجم, وعمل العباسيون على الاستكثار من هؤلاء؛ لأنهم ساعدوهم على إنشاء دولتهم، وكان الأعاجم يرضون بالراتب القليل، ومع ذلك فهو أضعاف ما كان يدفعه الروم لجندهم, إذا صح ما نقله ابن خرداذبه, فقد ذكر أن راتب الجنديّ عندهم كان يختلف من ١٨ إلى ١٢ دينارًا في السنة, وكانوا لا يستولون على رواتبهم إلّا كل ثلاث سنوات أو أربع، وأما رواتب جند العرب: فقد كانت تدفع في أوقاتها إلّا في أواخر الدولة العباسية, فقد كانت تتأخر وتتراكم، ويفوز بالخلافة من يتمكن من إرضاء الجند.