فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٣٩
الانظباط العسكري والتقاليد العسكرية
...
الانضباط العسكريّ والتقاليد العسكرية:
يقرر الإسلام أن يكون الانضباط ذاتيًّا غير مرهون بدواقع خارجية, وذلك على الأسس التالية١:
١- الحرية والكرامة الإنسانية:
وتحرير شخصية المسلم من العبودية لغير الله تعالى في كل الميادين، فدعوة الإسلام لا تقوم على الإكراه {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} , وإنما تقوم على الاقناع {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وكذلك قرَّرَ الإسلام مبدأ الحرية في النفس والمال والعرض في الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، والأنبياء والرسل ليس عليهم إلا التبليغ: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} .
٢- تنمية الضمير الديني للمسلم:
بحيث يندفع إلى أداء واجبه بدوافعه الذاتية لا بفعل قوة أو سلطة خارجية, ويصوره الحديث الشريف في العبادة: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
١ لم يعرف العلم العسكري "الانضباط الذاتي" إلّا حديثًا نتيجةً للتطور في شكل الحرب، في الحروب القديمة كانت الجيوش تحارب في صفوف وجماعات متراصة، فكانت شخصية المقاتل الفرد تذوب في الجماعة؛ بحيث أصبح الانضباط في صلب الجماعة التي تحجب فقط الضعف فيه, فضلًا عن أن رقابة القائد وسيطرته على رجاله بالعين والصوت كانت ميسورة؛ لقربه منهم ولكونهم متجمعين. أما في الحرب الحديثة التي تتميز أسلحتها بقوة النيران الهائلة وتأثيرها التدميري الشامل, فقد اضطرت الجيوش إلى الانتشار على أرض المعركة حتى لا تتعرض للهلاك، ونتج عن ذلك انتشار أفراد الجماعة مع ضعف سيطرة القائد، وأصبح الانضباط في صلب كل فرد ضرورة حيوية، وانتهت المدرسة الجبرية، وظهرت مدرسة توليد الدوافع لدى الفرد؛ لأداء واجبه ذاتيًّا, وظهر اصطلاح الانضباط الذاتي.