فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام

فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ١٧

معاملة الأسرى:
يعتبر الأسرى من غنائم المعركة، فكانوا يوزعون على المحاربين كبقية الغنائم، فإذا حصل أحدهم على أسير فهو بالخيار في أمره:
إما أن يمسكه ليقوم على خدمته وخدمة أنعامه، ونقل الماء له وسقي النخيل، وإما أن يجز ناصيته، ويفك أسره إذا كان للأسير عنده يد، أو رغب هو في العفو عنه لسبب من الأسباب، روى "ابن الأثير" أن الأسير كانت تجز ناصيته ثم يطلق سراحه، ولا تجز ناصية الملوك لما في ذلك من المهانة، وكذلك فعل "عامر بن الطفيل" بأسيره الذي أطلقه بعد جَزِّ ناصيته، في نذرٍ كان على أمه.
وأحيانًا كان العربي يطلق الأسير تكرمًا منه، أو زهدًا فيه لفقره، أو لتقديم المعروف أو المروءة؛ لأنه غنيٌّ ليس بحاجةٍ إلى خدمة الأسير, أو فداءً يأخذه فيه، وكان بعض الناس يحتفظ بأسيره -وبخاصة إذا علم يساره- ليفدي نفسه منه بالمال، أو يحضر بعض عشيرته لأخذه ودفع فدائه.
وكان مقدار الفداء يختلف باختلاف مكانة الأسير في قومه، ودرجة يساره، ويظهر أنه كان يتراوح بين مائة من الإبل وأربعمائة، فبهذا العدد الأخير فدى الزعيم "عبد يغوث" نفسه يوم الكلاب الثاني، والذي يفهم أن المائة هي المتوسط, أنهاكانت القدر المخصص لدية القتيل عندهم، وجرى العمل بذلك في الإسلام.
وأيًّا ما كان الأمر، فما كان العربي يسترق أخاه العربي أبد الآبدين، فإن قدمت عشيرته لأخذه بالفداء، وإلّا باعه لغيره، فإن لم يوفق، أطلقه ومَنَّ عليه بالطريقة السابقة.
الحَرَمُ والأشهر الحُرُم ومنع القتال فيها:
من آداب القتال التي كانت مرعيَّةً عند العرب، وبخاصة عرب الحجاز، احترام الحرم المكيّ والأشهر الحرم بمنع القتال فيها، ففي هذه الأشهر الأربعة "رجب، ذي القعدة، ذي الحجة، المحرم" وإلى هذا المكان المقدس يفد الحجيج من سائر البقاع كل عام فتنتعش حال أهل البلاد الاقتصادية، فإذا هدد الحجاج في أنفسهم أو أموالهم، انقطعوا عن الوفود إلى الحجاز, ولذا تواضع العرب على تحريم القتال في الحَرَمِ وفي الأشهر الحُرُمِ، لدرجة أن وليَّ المقتول كان يلقى القاتل في الحرم فلا يمسه بسوء، وفي بعض الأحيان: كانت تستعر الحروب بين القبائل، وتثور العصبيات، ويصادف أن يكون ذلك قرب موسم الحج، وهم يخشون ضياع الدماء إذا سكتوا عنها في الموسم، فكان رؤساء القبائل ينفقون على تأخير حرمة بعض الشهور، حتى يدركوا ثأرهم قبل فواته، وسميت هذه العملية "النسيء" أي: التأخير، وقد عاب القرآن ذلك في الإسلام. وأحيانًا أخرى كان يضعف الوازع الديني في النفوس، وتثور فيهم الشهوة للقتال؛ فينسون حرمة البيت وحرمة الأشهر