فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ١٠٢
تطور الأسطول وأحواله إلى عهد الدولة العثمانية:
كان للأساطيل تأثيرٌ كبيرٌ في توسعة المملكة الإسلامية؛ لأنهم فتحوا بها أشهر جزر بحر الروم، ومنها سردينية "سردينيا" وصقلية "سيسيليا" ومالطة, وأقريطش "كريد" وقبرص وغيرها، وفتحوا كثيرًا من شوطئ هذا البحر مما يلي أوروبا، وسارت أساطيلهم فيه جائية وذاهبة، وعليه العساكر الإسلامية تجوز البحر من صقلية إلى بر إيطاليا في الشمال، فتوقع بملوك الإفرنج, وتثخن في ممالكهم, وخصوصًا في أيام بني الحسين الكلاببيين, ملوك صقلية القائمين فيها بدعوى الفاطميين، فانحاز الإفرنج بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من هذ البحر، وملك المسلمون سائره بمراكبهم وأساطيلهم، وصاروا سلاطين البحر كما كانوا سلاطين البَرِّ. وضعف أمر الإفرنج إلى أن أدرك الدولة العبيدية بمصر, والأموية بالأندلس الفشل، وطرقها الاعتلال بحكم ناموس الاجتماع، وأفاق الإفرنج, وعاوا إلى استرجاع بلادهم فاسترجعوها, وسطوا على بلاد المسلمين نفسها، وكان ما كان من الحروب الصليبية على ما هو مشهور.
وكان المسلمون قد أهملوا أمر الأساطيل، وقلَّ تجنيدهم لها, وبطل ديوانها، وبعد أن كان جند البحر عندهم يلقبون بالمجاهدين في سبيل الله، والغزاة في أعداء الله, ويتبرك بدعائهم الناس، صارت خدمة الأساطيل عارًا عندهم, وظل ذلك شأنهم حتى تولى الملك الظاهر بيبرس البندقداري سلطان المماليك الشهير, فأعاد شأن الأساطيل، لكنها لم تعد إلى ما كانت عليه في عز الإسلام، على أنهم بذلوا جهدًا كثيرًا في دفع الصليبين عن مصر، وكان الصليبيون يأتون غالبًا من جهة النيل، وكان المماليك يبنون على ضفتي النيل أبراجًا من الخشب يوصلون بنيها بسلاسل الحديد، لتمنع سفن الإفرنج من المرور في النيل.
انحط شأن الأساطيل في مصر والشام، وبقي في الأندلس وأفريقية,