فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام

فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٩٦

قائلًا: "من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج"١. فانتدب له عاصم بن عمرو التميمي -أول قائد رأس جسر في تاريخ العرب- وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدات. واقتحمت كتيبة عاصم نهر دجلة عنوةً ووصلت الشاطئ الشرقي, وبذلك استطاعت تأمين عبور باقي الجيش للنهر٢.
وفي العصر الحديث استطاع المصريون عبور قناة السويس في معركة أكتوبر ١٩٧٣ بوسائل مبتكرة لم يعرفها خبراء الحرب من قبل؛ إذ تمكنوا من فتح الثغرات في الساتر الترابي الضخم الذي أقامه العدو الإسرائيلي على الشاطئ الشرقي للقناة عن طريق التجريف بقوة المياه، وابتكار وسائط نقل خفيفة لنقل الأسلحة المضادة للدبابات عبر الساتر الترابي؛ لكي تتمكن قوات رأس الجسر من منع دبابات العدو من التدخل في عملية إقامة المعابر فوق القناة, وعبور القوات الرئيسية.


١ جمع فرضة, والفرضة المكان الذي يحتله الجنود في الضفة البعيدة من النهر لحماية عبور الجيش إلى تلك الضفة.
٢ يعرف العلم العسكري وفن الحرب عملية إقامة رأس الجسر أو "رأس الكوبري" في عمليات عبور الأنهار والموانع المائة، ويعتبرها من الأعمال الضرورية لتأمين عبور القوة الرئيسية؛ لأن عبور النهر أو المانع المائي -بينما العدو على الضفة البعيدة- يعرض القوات لخسائر جسيمة لما تكون عليه حال القوات أثناء العبور من عدم استعدادٍ للقتال, كما لو كانت على الأرض، فيقتضي الأمر قبل أن يبدأ الهجوم عبر النهر، أن تقوم مفرزة من القوات بالعبور "عنوة" مع تحمل الخسائر، أو"بطريقة مفاجئة" إذا أمكنها ذلك، وتكون مهمتها مواجهة قوات العدو وشغلها عن التدخل في عبور القوة الرئيسية.
وواضح أن عملية إقامة رأس الجسر تنطوي على كثير من روح الفدائية والشجاعة الفائقة، ولذلك كان اعتماد سعد بن أبي وقاص في تكوين القوة التي تقوم بالمهمة على "التطوع" كما يتضح من ندائه للجيش "من يبدأ ويحمي لنا.. إلخ" فكرة صائبة، وهذا المبدأ تفضله الجيوش الحديثة إذا تكلف بهذا النوع من العمليات قوات الفدائيين, أو الصاعقة التي تحملها طائرات الهلوكبتر أو أية وسيلة أخرى.