فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام

فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٩١

يبرحوا مكانهم قائلًا "والزموا مكانكم لا تبرحوا منه، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشفوا خليهم بالنبل ... ".
وفي معركة الجسر قامت جماعة من المسلمين بتغطية انسحاب المسلمين بالقيام بعملية "شبه انتحارية"، فكانوا يعقرون دوابهم ويترجلون عنها، ويكسرون أغماد سيوفهم, ثم يجثون على ركبهم, وقد أشرعوا الأسنة في نحور أعدائهم، وكانوا يطلقون عل هذه الجماعة "كتبية الموت".
الانسحاب المنظم:
عرف المسلمون الانسحاب المنظم١ على يد خالد بن الوليد في معركة مؤتة؛ حيث أدت خطته إلى انسحاب الجيش دون تدخل من الروم, وبذلك أمكنه إنقاذ الجيش.


١ المعروف في العلم العسكري وفن الحرب, أن الانسحاب من أصعب العمليات العسكرية وأخطرها؛ إذ كيف يمنع القائد جيش الأعداء من مطاردته وهو منسحب, والإجهاز عليه, فيتحول الانسحاب حينئذ إلى فوضى، ذلك هو الاختبار الحقيقيّ لعبقرية القائد الحربية, وقد نجح خالد في ذلك حين خدع العدو، فثبت بقواته حتى المساء، ثم بات يعدل مواقف الجيش ليلًا، فنقل الميمنة إلى الميسرة, والميسرة إلى الميمنة, وجعل الساقة في موضع القلب، والقلب في موضع الساقة؛ ليظن الروم من تغير الأشكال أن مددًا أتى المسلمين ليلًا، ثم إنه رصد جماعة خلف الجيش، يجرون بخيلهم في دائرة واسعة, ويكثرون الجلبة ويثيرن الغبار، ليوهموا العدو بأنهم مدد قادم للمسلمين، ثم اندفع هو في "فرقة الموت" إلى صفوف الروم, بينما كان بقية المسلمين ينسحبون.