فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٧٣
آلات الحصار والأسلحة الثقيلة:
١- المنجنيق والعرادة:
وهو سلاح قذفٍ بعيد المدى نسبيًّا, يشبه مدفعية الميدان في العصر الحديث, وأول من رمى به في الإسلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حصار الطائف -كما قدمنا١- ويرى الدكتور "فون كريمر" أن العرب نقولوا عن البيزنطيين استعمال المنجنيق والعرادة لرمي الكتل الصخرية والأخشاب المشتعلة على المدن المحاصرة, وأشار إلى أن العرب أدخلوا عليه كثيرًا من التحسينات, بتكبير الروافع وضخامة الآلات.
ومن أهم التحسينات أيضًا ظهور نوع قوي من المنجنيق يعمل بقوة الأوتار، ويصعب تحديد تاريخ ظهوره أو تعيين من أدخل ذلك التحسين، ولك الثابت أن الحجاج قاتل به. وهو عبارة عن قاعدة مصنوعة من كتل خشبية ضخمة, تجر بقوة الرجال على الزحافات أوالعجلات الصغيرة، وقد ارتفعت القاعدة قابلة للحركة، وخلفها وتر قوي مستعرض يمنع سحبها للخلف، بينما ربطت بحبالٍ مثبتة إلى مؤخر القاعدة تجذبها للخلف، وعند الرمي يلف الرجال العمود الخشبي المربوط به حبل الذراع، فتجذب الذراع إلى الخلف، فيمتد الوتر الذي خلفه إلى نهايته، ثم يوضع الجسم المراد رميه في كفة الذراع, ثم تفك الحبال الخلفية مرة واحدة، فيجذبها الوتر بقوة عند انكماشه فتصدم الذراع بالحائط الخشبي المثبت أمامها بقوة، فترمي رميتها كأبعد وأقوى ما يكون الرمي. وهذا النوع هو الذي عناه صاحب "آثار الأول" بقوله بقسي: "كبار موتورة إلخ"،ووهو آخر تطور وصل إليه المنجنيق في القرن الثاني، وإن كانت حجومه تختلف باختلاف الحصون المحاصرة وقوة الصانعين، وقد عمل المسلمون على تكبير الروافع الخشبية لإبعاد المرمى، وصنعوا المجانيق الضخمة، لدرجة أن الحجاج جهز بعض جيوشه بعدد كبير من المجانيق، منها واحد يقال له "العرس" وكان لضخامته يعمل عليه خمسمائة رجل يقومون بنصبه وجره ونقل الحجارة إليه, وما إلى ذلك.
وما إن بدأ القرن الثاني الهجري، حتى كان المنجنيق شائع الاستعمال عند المسلمين, وبخاصة في حصار المدن، ثم صار في نهايته سلاحًا عاديًّا
١ وكثر حصار المسلمين به للمدن المحصنة، ذات الأسوار العالية في حروب العراق والشام زمن الخلفة عمر وما بعده، حتى لقد نصبوا على المدائن عند حصارها عشرين منجنيقًا فشغلوا أهلها بها، وكذلك حاصر أبو عبيدة وخالد أهل دمشق سبعين ليلة حصارًا شديدًا بالزخرف والترامي بالمنجنيق، وقد صنع عمر بن العاص المنجنيق بمصر عند فتحها؛ لأنه كان في عدد قليل لا يسمح له بحمل الآت الحصار معه.