فن الحرب عند العرب في الجاهليه والاسلام - جمال محفوظ - الصفحة ٥٢
اقتصاديات الحرب:
بمقتضى عقيدة الجهاد بالأموال والأنفس, يربط الإسلام بين الاقتصاد والاستراتيجية العسكرية, ويتضح ذلك أيضًا من ذكر "الإنفاق" بعد "إعداد القوة والمرابطة" في سورة الأنفال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} .
ويعتبر المال "مال الأمة" وهي تحارب لدفع العدوان، ويجيز الإسلام لولي الأمر أن يأخذ من أموال المسلمين ما تدعو إليه الحاجة أثناء الحرب، ويعتبر نفير الجهاد بالمال والأنفس تعبئة لاقتصاد الأمة لصالح المعركة, ولا يمكن التخلف عنه، قال تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: ٤٤] .
ويوجه القرآن الأمة إلى أن في الحديد ما يمكنها من تحقيق التنمية, وكذا الصناعة الحربية: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ١ "أي: وخلقنا الحديد ليكون من أسلحة الحرب القوية التي تردع المعتدي وتقهره، وفيه منافع للناس في حاجاتهم ومعايشهم وصناعاتهم ومختلف شؤون حياتهم".
١ يعرف الاستراتيجيون جميعًا قيمة الحديد، وإلى أي حدٍّ تأثرت به الاستراتيجية العسكرية على مر العصور؛ فعندما انشئت السكك الحديدية مثلًا على نطاق واسعٍ, فقد أدى ذلك إلى تصعيد حجم النقل، وتيسير مهمة نقل القوات، وجعل في الإمكان حشد القوات في مسارح العمليات بسرعة وبكثافة كبيرتين، وزاد من قدرة القيادات على إجراء المناورات الاستراتيجية بالقوات, ومن الأمثلة التاريخية البارزة في هذا المجال: أن ألمانيا والنمسا تمكنتا -بفضل الخطوط الحديدية الموازية لحدودها- من إتمام التوزيع الاستراتيجي لقواتهما وفقًا للجدول الزمني المقرر, وهو ثلاثة عشر يومًا لألمانيا, بعد التعبئة العامة, وستة عشر يومًا للنمسا، أما روسيا القيصرية, فلم تتمكن بسبب افتقارها إلى الشبكات الحديدية المتطورة والموازية لحدودها الغربية من نشر قواتها إلّا بعد أربعة وعشرين يومًا من إعلان التعبئة.. وبفضل الحديد وتطور صناعته تطورت صناعة أسلحة الحرب الثقيلة, وادى ذلك إلى حل كثير من المشكلات التكتيكية والاستراتجية ومشكلات إدارة الحرب.