انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧
و المشكوكة ففى صورة الشك و عدم البيان الذى هو محل النزاع فى المقام يحكم العقل بوجوب الاحتياط و قبح المعصية و حسن العقاب عكس ما ذهب اليه المشهور من قبح العقاب بلا بيان .
نعم الى هنا ظهر عدم كون القاعدة قاعده عقلية ولكن الحق انها قاعدة عقلائية جرت عليها سيرتهم و امضاها الشارع بعدم ردعه منها كما نرى بين العبيد و الموالى و الملوك و اتباعهم و الرؤساء و من يكون تحت رياستهم فان بناءهم على عدم عقاب العبد مالم يبين المولى مقاصده و اغراضه , وعلى عدم عقاب المرؤسين و الرعايا ما لم يبلغ اليهم اغراضهم , و عليه تكون القاعدة قاعدة عقلائية لا عقلية , و ان شئت قلت : لولا بناء العقلاء على عدم العقاب بلا بيان و امضاء الشارع لهذا البناء لم يقبح فى حكم العقل العقاب بدونه فوقع الخلط هنا بين الاحكام العقلية المبنية على مسئلة الحسن و القبح و الاحكام العقلائية الناشئة عن تشريعاتهم و قوانينهم و الفرق بينهما ظاهر كما ان آثارهما مختلفة و ستأتى الاشارة اليها عن قريب ان شاء الله .
لكن للمحقق النائينى هنا بيان حاصله : ان الاحكام بوجودها الاحتمالية ليست لها محركية و با عثية فيكون المكلف حينئذ كالعاجز و المضطر , و تكليفه تكليفا بما لا يطاق , و اليك نص كلامه : (( لا يكفى فى صحة المؤاخذة و استحقاق العقوبة مجرد البيان الواقعى مع عدم وصوله الى المكلف فان وجود البيان الواقعى كعدمه غير قابل لان يكون باعثا و محركا لارادة العبد مالم يصل اليه و يكون له وجود علمى . ( . . [١] .
اقول : الانصاف ان هذه مصادرة بالمطلوب لانا نعلم ان للاحكام بوجودها الاحتمالية باعثية و محركية كما فى سائر الاغراض و المصالح و المفاسد و المضار و المنافع والا يلزم تعطيل الزراعات و التجارات و الصناعات و غيرها حيث ان الحصول على المنفعة فيها امر احتمالى فى الغالب فكما يتحرك العبد فى منافعه
[١]فوائد الاصول , ج ٣ , طبع جماعة المدرسين , ص ٣٦٥ .