انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥
بقوله : ( فانه لا ضرر و لا ضرار( و ظاهر الاستناد و الفاء المفيد للتعليل انه حكم الهى و قاعدة كلية من الله تعالى , و هو ( ص ) اتكل على الحكم الالهى , فامر الانصارى بقلعها ورميها فعلل عمل نفسه بالحكم الصادر من الله , و لا يناسب ان يفسر عمل نفسه و يعلله بحكم نفسه .
قلنا : ان الانصارى لما رفع شكواه الى النبى الاعظم و استدعاه النبى و امره بالاستئذان عند الدخول و هو كان رجلا مضارا تخلف عن حكمه , مست الحاجة الى تأديبه فاصدر حكمه السياسى لحفظ النظام و امر بقلعها و رميها الى وجهه , ثم علل هذا الحكم التأديبى بالحكم السياسى الكلى و انه لا ضرر ولا ضرار , و على هذا يتوافق الجمل و يتضح التناسب بين المعلول ( قلع الشجرة ) و تعليلها ( لا ضرر و لا ضرار ) بلا ادنى تكلف , فان كلا من المعلول و علته حكم سيأسى تأديبى .
ثم ذكر قدس سره الشريف فى بعض كلماته ان نتيجة هذا القول كون القاعدة حكما صدر من ناحية الحاكم الشرعى التحديد قاعدة السلطنة فحسب , فلا حكومة لها على سائر الاحكام الوضعية و التكليفية . ( انتهى ) [١] .
اقول : يمكن المناقشة فى كلامه قدس سره من عدة جهات :
الاولى فى الفرق بين الاحكام الالهية و الاحكام السلطانية , و الحق فيه ان الاحكام السلطانية ليست فى عرض الاحكام الالهية بل انها فى طولها لان الاحكام الالهية احكام كلية وردت على موضوعات كلية , ولكن الاحكام السلطانية احكام جزئية اجرائية لان اجراء الاحكام الكلية الالهية و تحقيقها فى الخارج لا تكون الا بتأسيس الحكومة فينفتح حينئذ باب الولاية , و يكون الوالى فيه شخص النبى ( ص ) و غيره من الاوصياء , و فى زمن الغيبة الفقيه الجامع للشرائط , و وظيفة الوالى فيه تشخيص موارد الاحكام الكلية الالهية و تطبيقها على مصاديقها الجزئية الشخصية , فالاحكام السلطانية احكام تصدر من جانبه فى سبيل اجراء تلك الاحكام الالهية الكلية , و ذلك كالاحكام التى تصدر منه لنصب الولاة و امراء الجيوش و عمال
[١]راجع تهذيب الاصول , طبع جماعة المدرسين , ج ٢ , ص ٤٨١ ٤٩٢ .