انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨
المكلفين بعضهم ببعض , اى لا يمضيه الله تبارك و تعالى ولا يجيزه , فيكون نهيا بلسان النفى , اى النفى كناية عن النهى و عن عدم الامضاء , و هذا مما نعرفه بالرجوع الى ارتكازاتنا العرفية العقلائية و مما نعهده بين التراكيب المتداولة فى اللغة العربية و فى غيرها من الالسنة , نظير ما مر آنفا من قول الرجل لخادمه :( ليس فى بيتى الكذب و الخيانة( كناية عن ان مثل هذه الامور مما لا ينبغى له ارتكابه فى بيته ابدا , و نظير ما تداول فى يومنا هذا من قولك ( ليس فى مكتبنا او فى قاموسنا كذا و كذا( .
و النتيجة حينئذ شمول هذه القاعدة اولا للاحكام التكليفية و الوضعية معا , و ثانيا حكومتها على سائر الادلة كما هو كذلك فى بعض الاقوال الاخر , و ان كان الفرق بينه و بينها عدم شمول هذا القول للاحكام الضررية فى العبادات كالوضوء الضررى و الحج الضررى و الصوم الضررى و فى التوصليات كتطهير المسجد اذا كان التطهير منشأ للضرر , بالجملة عدم شموله لتمام الموارد التى ليس الضرر فيها من ناحية احكام الشرع , و بهذا يظهر انه يمكن ان يعد هذا قولا سادسا فى معنى القاعدة .
ان قلت : فكيف افتى الفقهاء بعدم صحة العبادات الضررية مثل الصوم و الوضوء الضرريين ؟
قلنا : ان قدماء الاصحاب بل و كثير من متأخريهم استندوا فيها بقاعدة لا حرج , ولم يستندوا الى قاعدة لا ضرر , مع استدلالهم بها فى ابواب المعاملات مثل خيار الغبن و غيره مما يرجع الى اضرار الناس بعضهم ببعض , فهذا هو شيخ الطائفة فى كتاب الطهارة من الخلاف [١] , و المحقق فى المعتبر [٢] و العلامة فى التذكرة و صاحب المدارك فى المدارك كلهم استندوا فى مسئلة الوضوء الضررى بقوله تعالى﴿ما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾ و لم نراستنادهم الى قاعدة لا ضرر فى هذه المسألة و فى غيرها من ابواب العبادات الضررية و غيرها من التكاليف التى تكون من حقوق الله ,
[١]المسألة ١١٠ : الجبار و الجراح و الدماميل و غير ذلك اذا امكن نزع ما عليها و غسل الموضع وجب ذلك , فان لم يتمكن من ذلك بان يخاف التلف او الزيادة فىالعلة , مسح عليها و تمم و ضوئه وصلى , ولا اعادة عليه . . . دليلنا قوله تعالى : و ما جعل عليكم فى الدين من حرج .
[٢]راجع ما ذكرنا من عباراتهم فى كتابنا القواعد الفقهية , ج ١ , ص ٦٤ .