انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥
ان قلت : هذه الحالة النفسانية قبل ابرازها فى مقام العمل امر غير اختيارى فلا معنى لحرمتها لولا الحديث حتى ترفع امتنانا .
قلنا : يمكن عادة رفع هذه الحالة بالمجاهدات و الرياضات النفسانية و التفكر فى انها ملكة رذيلة توجب خسة النفس و دنائتها فيكون رفعها تحت اختيار الحاسد , و يمكن للشارع عدم رفعها بوجوب تهذيب النفس فيكون رفعه للوجوب منة على العباد .
اما الطيرة فهى من مادة الطير بمعنى التشأم و قراءة الطالع بالطيور ثم توسع فى ذلك حتى عمت سائر طرق التشأم , فان العرب فى الجاهلية كانت تلتزم و تعتنى بما يتشأم بالطيور و غيرها , و كانت الطيور تسدهم عن مقاصدهم فللشارع المقدس ان يمضى تلك الالتزامات , ولكنه ردع عنها امتنانا حتى لا يتعطل حياتهم لامور لا واقع لها .
و اما الوسوسة فى التفكر فى الخلق ( او التفكر فى الوسوسة فى الخلق ) فالمراد من الخلق فى هذه الجملة يمكن ان يكون على احد معنيين :
الاول : ان يكون بمعنى الخالق , اى خالق البارى فيتفكر فى انه من خلق البارى تعالى ؟
و هو سؤال يشكل جوابه على العوام ( و ان كان واضحا عند المحققين لان الحاجة الى الخالق تتصور بالنسبة الى كل حادث او ممكن الوجود , و الله تبارك و تعالى لا يكون حادثا او ممكنا ) و مع ذلك كان امرا شايعا فى عصر صدور الحديث و كانوا يتوهمون حصول الكفر به فرفع الشارع اثره المتوهم امتنانا .
الثانى : ان يكون فى مقابل الخالق , والمراد منه حينئذ الوسوسة فى التفكر فى البلايا و الشرور , و تكرار القول ب ( لم( بالنسبة اليها , اى القول بان الله تعالى لم خلق الشىء الفلانى , و لم خلق العالم كذا و كذا , فرفع الشارع حرمة هذه الوساوس امتنانا .
و ان قيل : بعض هذه الامور مرفوع من جميع الامم , قلنا : نعم ولكن الامتنان انما هو بالمجموع من حيث هو المجموع .
الامر التاسع : لا يخفى ان النسبة بين هذا الحديث و ادلة الاخباريين نسبة