انوار الأصول - ط مدرسة الامام اميرالمؤمنين - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠
و اما بالنسبة الى الثانى منهما فلانه اذا لم يعذبهم فى الدنيا فعدم تعذبيه فى الاخرة بطريق اولى , و هو عذاب يدوم بقائه ولا يحفف عن اهله , و الشاهد عليه الاية اللاحقة و هى قوله تعالى ﴿و اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ .
الرابع : ( أن اقصى ما تدل عليه الاية المباركة هو ان المؤاخذة و العقوبة لا تحسن الا بعد بعث الرسل و انزال الكتب و تبليغ الاحكام و التكاليف الى العباد , و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشك فى التكليف بعد البعث و الانزال والتبليغ , و عروض اختفاء التكليف لبعض الموجبات التى لا دخل للشارع فيها( [١] .
والجواب عنه ان بعث الرسل فى الاية كناية عن اتمام الحجة كما مر , فتدل على نفى العذاب ما لم تتم الحجة بعد البعث , و الشاهد عليه قوله تعالى فى الاية اللاحقة :و اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول . . .﴾ حيث انها تدل على ان الميزان فى العذاب انما هو صدور الامر و وقوع الفسق بعده , كما يشهد عليه ايضا مامر من قوله تعالى فى سورة القصص :﴿و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى امها رسولا يتلوا عليهم آياتنا . . .﴾لانها تصرح بان الملاك هو تلاوة الايات لامجرد البعث .
الخامس : النقض بالمستقلات العقلية , فانه لا اشكال ( كما مرفى بعض الابحاث السابقة ) فى تعذيبه تعالى على ترك المستقلات العقلية , كقبح قتل النفس المحترمة و السرقة والخيانة و غيرها من المعاصى التى يحكم بقبحها العقل مستقلا , ولو وقعت قبل بعث الرسل .
و الجواب عنه ان الاية منصرفة الى احكام تحتاج الى البيان , ولا حاجة الى البيان فى المستقلات العقلية التى لا يصح فيها الاعتذار بقولهم(( لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل و نخزى﴾ , و لذلك يقال فى مباحث العقايد ان من فوائد وجود النبى ( ص ) تأكيده المستقلات العقلية و التأسيس بالاضافة الى غيرها .
[١]فوائد الاصول , ج ٣ , ص ٣٣٣ .