غريب الحديث في بحارالأنوار - حسین حسينی البيرجندی - الصفحة ١٢
في مساعيهم تلك واجتازوا خلال عدّة قرون من العمل الدؤوب مرحلة الإبداع والتأليف وتمكّنوا من تدوين جوامع لغويّة يسهل الرجوع إليها ، وخلّفوا وراءهم آثارا قيّمة في مضمار تدوين غريب الحديث ، حتى أصبح علم اللغة والحديث مدينا لهما بالفضل . سنحاول هنا ومن خلال دراسة تأريخيّة تسليط الأضواء على مراحل ومسار تدوين كتب غريب الحديث :
١ ـ بدء تدوين المفردات :
أدّى اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم وإقبالهم على تعلّمه وانتقال معارفه وانتشار مفاهيمه ودخول أقوام من غير العرب في الإسلام وتداخل اللغة العربيّة مع لغات اُخرى ، إلى وجوب تفسير وشرح بعض المفردات القرآنيّة التي كان يندر تداولها في اللغة العربيّة التي كان يتحدّث بها هؤلاء ، وكانت تلك الألفاظ غريبة عليهم وغير مأنوسة لديهم . فاهتمّ بعض علماء الشيعة كابن عباس وأبان بن تغلب بتصنيف كتب صغيرة في غريب ألفاظ القرآن ، وبعد مائة وخمسين سنة من ذلك التاريخ ؛ أي في بداية القرن الثالث للهجرة ، بدأ تدوين غريب الحديث من أجل نفس هذه الغاية . لقد ظهرت إلى الوجود في بداية تدوين هذا العلم ـ وكما هو الحال بالنسبة للعلوم والفنون الاُخرى ـ آثار قليلة تعدّ بالأصابع جاءت كحصيلة للجهود الفكريّة للبناة الأوائل الذين اهتمّوا بشرح المفردات الغريبة للأحاديث التي جُمع منها عدد قليل حينذاك ، ودُوِّنت تلك الشروح والتفاسير بلا أيّ ترتيب منطقي ، وفُقد الكثير منها على مرّ التاريخ . وإنّ مجرّد وصف واحد من تلك الكتب الاُولى يقوّي الظنّ لدينا بأنّ أكثرها كانت مرتّبة ترتيبا موضوعيّا [١] مثلما هو الحال بالنسبة للكتب الفقهيّة التي دوّنت مرتّبة على أبواب الفقه والسنن . وإن كان يُحتمل أنّ الترتيب الموضوعي لبعضها جاء على غرار الكتب الاُولى في اللغة ؛ وذلك لأنَّ مؤلّفيها كأبي عبيدة ( المتوفى٢١٠هجريّة ) ، والأصمعي ( المتوفى
[١] قال ابن درستويه في وصف غريب الحديث لأبي عدنان : «ذكر فيه الأسانيد وصنّفه على أبواب السنن والفقه ، إلاّ أنّه ليس بالكبير» .