المحبّة في الكتاب و السنّة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٥
والجواب هو : كلاهما ؛ إذ كلّما ازدادت معرفة الإنسان باللّه ، يزداد بنفس ذلك المقدار معرفةً بجماله وكماله ، ويصبح أكثر انجذابا إليه ، ومعنى هذا : أنّ المعرفة البرهانيّة يمكن أن تكون سببا أيضا لمحبّة اللّه ، ولهذا السبب حينما سُئِل : «كيف اُحَبِّبُك إلى خَلقِكَ ؟» قال : «أُذكُر أَيادِىَّ عِنْدَهُم ، فَإِنَّكَ إذا ذَكَرتَ لَهُم ذلِكَ أَحَبّوني» . [١] ولكن لا شكّ في أنّ المعرفة التامّة الكاملة ـ والتي يُعبَّر عنها بالعشق ـ لا تُنال إلاّ عن طريق المعرفة الشهوديّة ، وهو ما عبّر عنه بعض أهل المعرفة بقوله : «وخلاصة القول هي أنّ الإنسان لا يصير عاشقا للّه ما لم يعرفه معرفة شهوديّة . وإذا أصبح عارفا عن هذا الطريق فحينئذٍ يرى كلّ المحاسن في اللّه «ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ» [٢] ، وفي مثل هذه الحالة من المستحيل أن يلتفت الإنسان إلى غير اللّه » .
أعلى درجات المحبّة
وعلى هذا الأساس فإنَّ الذين يعرفون اللّه معرفة شهوديّة ، قد وصلوا إلى أعلى درجات المحبّة والعشق . وهم على طائفتين : الملائكة ، وأولو العلم ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ » [٣] . وقد وصف الإمام عليّ عليه السلام شدّة حبّ الطائفة الاُولى ـ أي الملائكة ـ للّه ، بقوله : « . . . قَدِ استَفرَغتَهُم أشغالُ عِبادَتِهِ و وَصَلَت حَقائِقُ الإِيمانِ بَينَهُم و بَينَ مَعرِفَتِهِ وقَطَعَهُم الإِيقانُ بِهِ إلَى الوَلَهِ إِلَيهِ، و لَم تُجاوِز رَغَباتُهُم ما عِندَهُ
[١] اُنظر : ص ٢١٢ ح ٩٤١ .[٢] النمل : ٥٩ .[٣] آل عمران : ١٨ .