الصّحيح من مقتل سيّد الشّهداء و أصحابه عليهم السّلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٩٧٢
١٣٥٢.مقتل الحسين عليه السلام للخوارمي عن هند بنت الجون : نَزَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله بِخَيمَةِ خالَتي ، ومَعَهُ أصحابٌ لَهُ ، فَكانَ مِن أمرِهِ فِي الشّاةِ ما قَد عَرَفَهُ النّاسُ ، فَقالَ[١] فِي الخَيمَةِ هُوَ وأصحابُهُ حَتّى أبرَدَ ، وكانَ اليَومُ قائِظاً[٢] شَديداً حَرُّهُ . فَلَمّا قامَ مِن رَقدَتِهِ دَعا بِماءٍ ، فَغَسَلَ يَدَيهِ ، فَأَنقاهُما ، ثُمَّ مَضمَضَ فاهُ ، ومَجَّهُ عَلى عَوسَجَةٍ كانَت إلى جَنبِ خَيمَةِ خالَتي ثَلاثَ مَرّاتٍ ... ثُمَّ قالَ : إنَّ لِهذِهِ العَوسَجَةِ شَأناً . ثُمَّ فَعَلَ مَن كانَ مَعَهُ مِن أصحابِهِ مِثلَ ذلِكَ ، ثُمَّ قامَ فَصَلّى رَكعَتَينِ ، فَعَجِبتُ أنَا وفَتَياتُ الحَيِّ مِن ذلِكَ ، وما كانَ عَهدُنا بِالصَّلاةِ ، ولا رَأَينا مُصَلِّياً قَبلَهُ . فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أصبَحنا وقَد عَلَتِ العَوسَجَةُ ، حَتّى صارَت كَأَعظَمِ دَوحَةٍ عالِيَةٍ وأبهى ، وقَد خَضَدَ[٣] اللَّهُ شَوكَها ، ووَشَجَت عُروقُها وكَثُرَت أفنانُها[٤] ، وَاخضَرَّ ساقُها ووَرَقُها ، ثُمَّ أثمَرَت بَعدَ ذلِكَ ، فَأَينَعَت بِثَمَرٍ كانَ كَأَعظَمِ ما يَكونُ مِنَ الكَمأَةِ في لَونِ الوَرسِ المَسحوقِ ، ورائِحَةِ العَنبَرِ ، وطَعمِ الشَّهدِ . وَاللَّهِ ، ما أكَلَ مِنها جائِعٌ إلّا شَبِعَ ، ولا ظَمآنُ إلّا رَوِيَ ، ولا سَقيمٌ إلّا بَرَأَ ، ولا ذوحاجَةٍ وفاقَةٍ إلَّا استَغنى ، ولا أكَلَ مِن وَرَقِها بَعيرٌ ولا ناقَةٌ ولا شاةٌ إلّا سَمِنَت ، ودَرَّ لَبَنُها ، فَرَأَينَا النَّماءَ وَالبَرَكَةَ فِي أموالِنا مُنذُ يَومَ نَزَلَ صلى اللَّه عليه وآله ، وأخصَبَت بِلادُنا وأمرَعَت ، فَكُنّا نُسَمّي تِلكَ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ ، وكانَ يَنتابُنا مَن حَولَنا مِن أهلِ البَوادي ، يَستَظِلّونَ بِها ، ويَتَزَوَّدونَ مِن وَرَقِها فِي الأَسفارِ ، ويَحمِلونَ مَعَهُم لِلأَرضِ القِفارِ ، فَيَقومُ لَهُم مَقامَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ . فَلَم تَزَل كَذلِكَ وعَلى ذلِكَ حَتّى أصبَحنا ذاتَ يَومٍ ، وقَد تَساقَطَ ثِمارُها ، وَاصفَرَّ وَرَقُها ، فَأَحزَنَنا ذلِكَ ، وفَزِعنا مِن ذلِكَ ، فَما كانَ إلّا قَليلٌ حَتّى جاءَ نَعيُ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله ، فَإِذا هُوَ قَد قُبِضَ ذلِكَ اليَومَ .
[١] القَيلولة : نومة نصف النهار ، قال يقيل (لسان العرب : ج ١١ ص ٥٧٧ «قيل») .[٢] القَيْظ : شدّة الحرّ ، والقَيظ : الفصل الذي يسمّيه الناس الصيف (المصباح المنير : ص ٥٢١ «قيظ») .[٣] الخضد : نزع الشوك عن الشجر (العين : ص ٢٢٨ «خضد») .[٤] الفَنَن : الغصن ، جمعه أفنان (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٢٥٦ «فنن») .